بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد ذكرت فى الحديث السابق أن اللَّه ﵎ قضى على من قتل وهو محرم صيدا أن يحكم فى ذلك اثنان ذوا عدل من المسلمين وأشرت إلى أن الصديق ﵁ لما سأله الأعرابى الذى قتل الصيد وهو محرم استشار أُبَىَّ بنَ كعب ﵁. وأن عمر ﵁ لما سأله الرجل الذى قتل الظبى وهو محرم استشار عمر ﵁ عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقد ذكر قبيصة بن جابر ﵁ وقد جاء مع الذى قتل الظبى قال: فالتفت عمر إلى صاحبه يعنى عبد الرحمن بن عوف فكلمه ثم أقبل عمر ﵁ على الرجل فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ فقال: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله! فقال عمر ﵁ ما أراك إلا قد أشركْتَ بين العمد والخطأ. اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها. قال قبيصة ﵁: فقمنا من عنده فقلت لصاحبى: أيها الرجل عظِّم شعائر اللَّه فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه. اعمد إلى ناقتك فانحرها، فلعل ذلك أن يجزئ عنك. قال قبيصة ﵁ ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فبَلَغَ عمرَ ﵁ مقالتى فلم يَفْجَأْنا منه إلا ومعه الدِّرة
[ ٤ / ٢٧٧ ]
فعلا صاحبى ضربا بالدّرة: أقتلتَ فى الحرم وسفهت الحكم" ثم أقبل علىَّ، فقلتُ يا أمير المؤمنين: لا أُحِلَّ لك اليوم شيئا يحرم عليك منى: فقال: يا قبيصة ابن جابر: إنى أراك شاب السن، فسيح الصدر، بَيِّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخُلقُ سئ فَيُفسِدُ الخُلُقُ السئُ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب" وكما لا يجوز للمحرمين أو المحلين أن ينفروا صيد الحرم فإنه لا يحل لهم أيضا أن يقطعوا شجر الحرم فليحترس الحاج وهو فى مزدلفة أو منى أو مكة أن يقطع الشجر فإن هذه كلَّها من أرض الحرم التى نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يقطع شجرها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يُنَفَّر صيدُه ولا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها" (أى لا يقطع حشيشها) فقال العباس يا رسول اللَّه إلا الإِذخر فإنه لقيْنِهم ولبيوتهم فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إلا الإِذخر" وهو الحشيش الأخضر وفى رواية لأبى هريرة ﵁: "لا يُعضَدُ شجرها ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد" وفى رواية
[ ٤ / ٢٧٨ ]
البخارى ومسلم من حديث أبى شريح العدوى ﵁ قال: قام رسول اللَّه -ﷺ- الغد من يوم الفتح فقال قولا: سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به: حَمِدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرَّمها اللَّه ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يَعْضُدَ بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللَّه -ﷺ- فيها فقولوا له: إن اللَّه قد أذنَ لرسوله -ﷺ- ولم يأذن لكم، وإنما أذِنَ لى فيها ساعةً من نهار، وقد عادت حرمَتُها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب" والمنهى عن قطعه من شجر الحرم أو حشيشه هو ما لم يستنبته الناس، وأما ما غَرس الناس أو زرعوه فهو لهم وكذلك يجوز أخذ ما يبس من نبات الحرم، ولو قُلع شجر الحرم بغير فعل آدمى جاز الانتفاع به، وهذه الأوامر النبوية لتقرير وتأكيد أن الحرم منطقة أمان وأرض سلام للإِنسان والحيوان والطير وحتى الأشجار والنبات. وقد أشار رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن أرض الحرم لم تكتسب هذه المزية، ولا نُزلت هذه المنزلة بفعل إنسان ولم يكن تحريمها فى عصر دون عصر بل هى حرام بحرمة اللَّه تعالى يوم خلق السموات والأرض ولذلك أشار اللَّه ﵎ إلى امتنانه على قريش بتأمينهم فى هذا الحرم الآمن حتى فى عصر الجاهلية قبل الإسلام دين السلام وفى ذلك يقول الرب تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ
[ ٤ / ٢٧٩ ]
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ وكما قال ﷿: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقد كان الرجل فى الجاهلية يلقى قاتل أبيه أو أخيه فى الحرم فلا يتعرض له بأذى حتى يخرج منه، وفى ذلك كله تدريب للإنسانية على السلام العملى، مما لا نظير له فى غير دين الإسلام الذى جعل السلام شعار أهله وتحية اللقاء بينهم وجعله ختام الصلاة عند الانتهاء من آدائها، وأشعر أهل السعادة دعاة السلام أن اللَّه ﵎ يسلم عليهم يوم القيامة حيث يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ كما جعل من تكريم أهل الإسلام دعاة السلام أن الملائكة يدخلون عليهم فى الجنة من كل باب يسلمون عليهم حيث يقول: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وكما قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢٢/ ١١/ ١٣٩٥ هـ
[ ٤ / ٢٨٠ ]