بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فإنه ينبغى للحجاج وهم فى منى ومكة أن يعرفوا أنهم فى أرض الحرم التى لا يُنَفَّرُ فيها صيد ولا يقطع منها شجر. ولقد جعل اللَّه ﵎ بيته المحرم منطقة سلام تدريبا لعباده عليه، ولفتا لانتباههم إليه، وعملا على توسيع دائرة السلام فقد حرَّم على المحرمين أن يتعرضوا للطير وهى تطير فى جو السماء أو تمشى على الأرض من سائر الصيد وفى ذلك يقول اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ولم يستثن الإسلام شيئا يباح أذاه فى الحرم أو للمحرم غير الفواسق المعروفة بالضرر والأذى وهى العقرب والحية والكلب العقور وسائر أمثاله من السباع العادية وكذلك الغراب والحدأة والفأرة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا" وفى رواية للبخارى ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: خمس من الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى أن الصيد كان يقترب من أصحاب رسول اللَّه
[ ٤ / ٢٧٣ ]
-ﷺ- وهم محرمون فلا يتعرضون له امتثالا لأمر اللَّه وتعظيما لحرماته وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد أباح الإسلام للمحرم أن يأخذ صيد البحر وأن يأكل من صيد البر ما لم يصده هو أو يُصَد من أجله، فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى قتادة ﵁ أنه خرج مع رسول اللَّه -ﷺ- فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون -وهو غير محرم- فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه. فلما رأوه تركوه، حتى رآه أبو قتادة ﵁، فركب فرسا له، فسألهم أن ينالوه سوطه فأَبَوا، فتناوله فحمل عليه، فعقره، ثم أكل فأكلوا فقدموا فلما أدركوا رسولَ اللَّه -ﷺ- سألوه: قال "هل معكم منه شئ؟ " قالوا: معنا رِجْلُهُ. فأخذها النبى -ﷺ- فأكلها وفى رواية للبخارى ومسلم: فلما أتوا رسول اللَّه -ﷺ- قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها؟ أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقى من لحمها" وقد قضى أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- على المحرم إذا قتل صيدا، وكان لهذا الصيد نظير من بهيمة الأنعام: الإِبل والبقر والغنم، أن يُلْزمَ بتقريب قربان مثلِه وقد حكموا فى النعامة ببدنة أو ناقة وفى بقرة الوحش ببقرة وفى الغزال بعنز، وفى الضبع بكبش. فقد روى أبو داود وابن ماجه والدارمى من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه
[ ٤ / ٢٧٤ ]
عنهما قال سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن الضبع قال: "هو صيد" ويجعل فيه كبشا إذا أصابه المحرم. أما إذا كان الصيد لا مثيل له من بهيمة الأنعام فعلى من أصابه أن يتصدق بقيمته وسواء فى ذلك من قتل الصيد وهو محرم عمدا أو ناسيا لإِحرامه، وفسروا قوله: "فمن قتله منكم متعمدا" أو قاصدا قتله يعنى ولو كان ناسيا لإِحرامه وفى ذلك يقول اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقد أُثِر عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ فى قوله ﷿: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال ﵁: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حُكِمَ عليه فيه. فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكة. فإن لم يجدها فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجدها فصيام ثلاثة أيام. فإن قتل أَيِّلا أو نحوه فعليه بقرة فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينا فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإِبل فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. وقضى عمر ﵁ فيمن قتل جرادة أن
[ ٤ / ٢٧٥ ]
يطعم تمرة وروى عنه: قبضة من طعام" وقد قضى اللَّه ﵎: أن يَحْكُم فى ذلك اثنان ذوا عدل من المسلمين حيث يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولذلك أُثِر أن أعرابيا أتى أبا بكر ﵁ وهو خليفة فقال: قتلتُ صيدا وأنا محرم فما ترى علىَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁: لأبَىِّ بن كعب ﵁ وهو جالس عنده: ما ترى فيها؟ فقال الأعرابى: أتيتك وأنت خليفة رسول اللَّه -ﷺ- أسألك فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر ﵁ ما تنكر. يقول اللَّه ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورتُ صاحبى حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به" كما أثر عن قبيصة بن جابر ﵁، قال: خرجنا حُجَّاجا فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا فنتماشى نتحدث، قال: فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبى أو برح فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه. فركب وَوَدَعَه ميِّتًا فعظَّمنا عليه. فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب ﵁ فقص عليه القصة وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قَلْبُ فضة يعنى عبد الرحمن بن عوف ﵁ فالتفت عمر ﵁ إلى صاحبه فكلَّمه.
وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢١/ ١١/ ١٣٩٥ هـ
[ ٤ / ٢٧٦ ]