بسم اللَّه الرحمن الرحيم
أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
أما بعد:
فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن المسلم إذا عزم على الحج كان مخيرا بين أحد الأنساك الثلاثة وهى الإِفراد أو القران أو التمتع، كما أشرت إلى أنه لا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بدون إحرام. ومن السنة الاغتسال للإِحرام وهو غسل للنظافة لا للطهارة حتى الحائض والنفساء إذا أرادت الحج أو العمرة فإنها تغتسل عند إحرامها كذلك فقد روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى ﵄ فى قصة حجة رسول اللَّه -ﷺ- قال: فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر ﵄ فأرسلت إلى رسول اللَّه -ﷺ- كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى" وإذا كان يشق على الإِنسان الاغتسال عند الميقات فلا بأس بأن يغتسل فى منزله بالمدينة المنورة مثلا أو فى الباخرة قبل الوصول إلى الميقات أو فى منزله قبل ركوب الطائرة متوجها إلى جدة وبعد الاغتسال يلبس ملابس الإِحرام وهى إزار
[ ٤ / ٢٤٠ ]
ورداء بالنسبة للرجل والأولاد الذكور أما النساء فليس لإِحرامهن ثوب معين بل تلبس المرأة ما شاءت من الثياب ما دام يسترها ولا يصف ولا يشف ما تحته.
وليس الإِحرام هو مجرد لبس الإِزار والرداء بل الإِحرام هو نية الدخول فى النسك. فلو لبس الإِزار والرداء قبل الوصول إلى الميقات فلا بأس لكن لا ينوى الإِحرام إلا من الميقات. وينبغى له أن يقلم أظافره ويزيل شعر إبطه وعانته، ولا بأس له أن يتطيب قبل الدخول فى النسك بطيب لا يدوم بعد أن يحرم إذا كان به زعفران. وينبغى أن يكون الإِحرام بعد صلاة فإنه ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يحرم بعد الصلاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يركع بذى الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات ويقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير فى يديك والرغباء إليك والعمل" فلو لم يتمكن من الصلاة عند الإِحرام فلا شئ عليه. ولا يجوز أن يلبس المحرم شيئا مخيطا أو محيطا فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه ابن عمر ﵄ أن رجلا سأل رسول اللَّه -ﷺ- ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا تَلْبَسُوا القُمُص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس
[ ٤ / ٢٤١ ]
خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مَسَّه زعفران ولا وَرْسٌ" زاد البخارى فى رواية: "ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" كما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث يعلى بن أمية ﵁ قال: كنا عند النبى -ﷺ- بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابى عليه جبة وهو متضمخ بالخَلوق فقال: يا رسول اللَّه! إنى أحرمت بالعمرة، وهذه عَليَّ! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجك" فالتجرد من الثياب والملابس المخيطة أو المحيطة واستبدالها بإزار ورداء مظهر من مظاهر المساواة التامة بين جميع المسلمين بقطع النظر عن أجناسهم وبيئاتهم ولغاتهم ومنازلهم كما أن الحج رحلة كبرى يقطعها المؤمن فى مسيرته للَّه ﷿ ولذلك جعل الإسلام ملابس الحجاج أشبه ما تكون بالأكفان الذى يندرج الناس فيها عند الانتقال إلى الدار الآخرة. ولما كان أمر النساء مبنيا على الستر والابتعاد عن كل أسباب الافتتان أباح الشرع للمرأة أن تلبس الخيط أو المحيط الذى حرَّمه على المحرمين من الرجال فلها أن تلبس الثياب والقمص والسراويل والخفين والجوارب ولم تفرض الشريعة عليها فى إحرامها لونا معينا من الثياب غير ما يستر عورتها ولا يشف شيئا من بدنها، ونهاها عن أن تنتقب أو تلبس مخيطا لوجهها وحرَّم عليها فى إحرامها أن تلبس القفازين فى يديها. فقد روى البخارى فى
[ ٤ / ٢٤٢ ]
صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" ويجوز أن تسدل جلبابها من رأسها على وجهها إذا كانت عند رجال أجانب عنها ليسوا من محارمها فقد روى أبو داود واللفظ له وابن ماجه بسند جيد من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه -ﷺ- عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه -ﷺ- محرماتٌ فإذا جاوزُوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها. فإذا جَاوزُونا كشفناه" كما نهى الإسلام المرأة أن تلبس شيئا يثير الفتنة فقد روى أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- ينهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورسُ والزعفران من الثياب. ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قمص أو خف" كما يجوز للمحرم من الرجال أو النساء أن يستظل بما شاء من مظلة ما دام لا يغطى الرَّجُل رأسه فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أم الحُصين ﵂ قالت: رأيت أسامة وبلالا ﵄ وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول اللَّه -ﷺ- والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" وأباح الإسلام كذلك للمحرم أن يُغيِّر ملابس إحرامه متى شاء بملابس إحرام أخرى أو يغسلها إذا اتسخت، أو يلبس أكثر من إزار ورداء من البرد ونحوه
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وله كذلك أن يغتسل متى شاء فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى أيوب الأنصارى ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يغسل رأسه وهو محرم" وفى رواية لمسلم من طريق عبد اللَّه بن حنين أن عبد اللَّه بن عباس ﵄ والمسورَ بن مخرمة ﵁ اختلفا بالأبواء فقال عبد اللَّه بن عباس ﵄ يغسل المحرم رأسه، وقال المسورُ بنُ مخرمة ﵁: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلنى ابن عباس ﵄ إلى أبى أيوب الأنصارى ﵁ أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين (يعنى بين الخشبتين القائمتين على رأس البئر) وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد اللَّه بن حُنَين أرسلنى إليك عبد اللَّه بن عباس ﵄ أسألك كيف كان رسول اللَّه -ﷺ- يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب ﵁ يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لى رأسه ثم قال لإِنسان يَصُب: اصبُبْ فصَبَّ على رأسه ثم حرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل".
وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ١٧/ ١١/ ١٣٩٥ هـ
[ ٤ / ٢٤٤ ]