بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد روى الإِمام أحمد ﵀ بإسناد صحيح من حديث عمرو بن عَبْسَةَ ﵁ قال: قال رجل يا رسولَ اللَّه ما الإسلام؟ قال: أن يُسلِم للَّه قلبُك وأن يَسلَمَ المسلمون من لسانك ويدك" قال: فأى الإسلام أفضل؟ قال: "الإِيمان" قال: وما الإِيمان؟ قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت" قال: فأى الإِيمان أفضل؟ قال: "الهجرة" قال: وما الهجرة؟ قال: "أن تَهجُرَ السوء" قال: فأى الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم" قال: فأى الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقِرَ جواده وأهريق دمه" قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة أو عمرة مبرورة" وقد أشرت فى حديث سابق إلى
[ ٤ / ٢٨٥ ]
أن الحجة المبرورة أو العمرة المبرورة هى المنزهة عن المعاصى وهى كذلك التامة الكاملة إجابة لقول الرب ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ كما أشار اللَّه ﵎ إلى أسباب تمام الحج وكماله وأنه هو الخالى من الآثام المُبْتَعِدُ فيه الحاج عن كل معصية، لا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل ولا يمارى ولا ينازع، ولا يخاصم، وفى ذلك يقول اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وعلى الحاج أن يغتنم هذا التجمع العظيم لاكتساب المعارف والمحامد ومعاونة المحتاجين والمساكين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإرشاد الضال، والمحافظة على شعائر الدين والإكثار من ذكر اللَّه ﷿، فهذا كله من التزود بتقوى اللَّه التى هى خير زاد، ومن أهم ذلك الاستغفار الذى أرشد اللَّه ﵎ الحجاج إليه فى قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولقد كان من هدى حبيب اللَّه ورسوله وسيد خلقه وإمام رسله محمد -ﷺ- أن يستغفر اللَّه ﵎ عقب كثير من أفعال الخير وأعمال البر فقد ثبت عنه -ﷺ- أنه كان إذا انتهى من صلاته استغفر اللَّه ثلاثا وفى هذا لفت انتباه الفاعلين للخير ألا يغتروا بما بذلوا من الخير وألا يستكبروا بسبب طاعتهم فإن الطاعة التى تورث الاستكبار شر
[ ٤ / ٢٨٦ ]
من المعصية التى تورث الذلة والانكسار والاستغفار ولذلك وصف الرب ﵎ أهل الخير السابقين إلى المبرات المسارعين إلى الصالحات أنهم يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وقد كان إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ﵉ وهما يقيمان للإِنسانية أفضل بيت يضرعان إلى اللَّه ﷿ أن يتقبل منهما وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كما وصف عباد الرحمن بأنهم يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما مع أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ويقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما وفى ذلك كله يقول اللَّه ﵎: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ
[ ٤ / ٢٨٧ ]
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ وقد أشار الرب ﵎ فى مواضع من كتابه إلى أن الاستغفار والإِنابة إلى اللَّه تورث رغد العيش فى الدنيا ورضوان اللَّه ﵎ فى الآخرة حيث يقول: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢٤/ ١١/ ١٣٩٥ هـ
هذا وقد تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الرابع من فقه الإسلام ويليه الجزء الخامس وأوله: "كتاب البيوع" وما توفيقى إلا باللَّه وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المدينة المنورة فى الثامن من شوال سنة ١٤٠١ هـ.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
فقه الإسلام
شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -
تأليف
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
[الجزء الخامس]
[ ٥ / ٢٨٨ ]