بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد أوضحت فى حديث سابق أن الأعمال التى يتحلل بها الحاج بعد نزوله من مزدلفة ثلاثة، من عمل اثنين منها حل التحلل الأول الذى يبيح له لبس الملابس المخيطة أى المحيطة والطيب وغيره من الأمور التى كانت محرمة عليه بالإحرام إلا النساء فإذا عمل الثالث حل له كلُّ شئ حتى النساء وهذه الأفعال الثلاثة هى رمى جمرة العقبة والحلق أو التقصر والطواف بالبيت العتيق ثم السعى لمن عليه سعى. أما نحر الهدى ممن عليه هدى فلا دخل له بالتحلل. والسنة ترتيب الأفعال الأربعة يوم العيد وهى رمى جمرة العقبة ونحر الهدى والحلق أو التقصير والطواف بالبيت ثم السعى لمن عليه سعى فيبدأ الحاج برمى جمرة العقبة ثم يذبح هديه إن كان متمتعا أو قارنا ثم يحلق رأسه أى يُقَصِّرُه ثم يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا. أو كان قارنا أى مفردا ولم يسع بعد طواف القدوم فلو قدَّم الحاج واحدا من هذه الأربعة على الآخر ولم يعملها على هذا الترتيب فلا حرج لما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- وقف فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح: فقال -ﷺ-: "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" فما سئل النبى -ﷺ- عن شئ قُدِّم ولا أخِّر
[ ٤ / ٢٥٥ ]
إلا قال: "افعل ولا حرج" وفى لفظ لمسلم: "أتاه رجل فقال: "حلقت قبل أن أرمى قال -ﷺ-: "ارم ولا حرج" فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" كما روى البخارى من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: كان النبى -ﷺ- يُسأل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: "لا حرج" كما روى الترمذى من حديث على -﵁- أن رجلا أتى رسول اللَّه -ﷺ- فقال يا رسول اللَّه! إنى أفضت قبل أن أحلق؟ قال: "احلق أو قصِّر ولا حرج" وجاء آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمى؟ قال: ارم ولا حرج" وقد أوضح رسول اللَّه -ﷺ- أن الحلق أفضل من التقصير يعنى بالنسبة للرجال فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال فى حجة الوداع: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "والمقصرين" وفى لفظ لمسلم من طريق يحيى بن الحصين عن جدته ﵂ أنها سمعت رسول اللَّه -ﷺ- فى حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة. ولا يكتفى فى التقصير بتقصير بعض الرأس بل لابد من تقصير جميع شعر رأسه أما المرأة فإنها تُقَصِّر من كل ضفيرة
[ ٤ / ٢٥٦ ]
عليها حلق شعر رأسها فى الحج أو غيره لما روى الترمذى من حديث علي وعائشة أم المؤمنين ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى أن تحلق المرأة رأسها كما روى أبو داود من حديث عبد اللَّه ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير" وينبغى للحاج أن ينحر هديه بنفسه إن كان قادرا على ذلك لما روى مسلم فى حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ فى صفة حجة رسول اللَّه -ﷺ- قال: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا ﵁ فنحر ما غبر -أى ما بقى- وأشركه فى هديه ثم أمر من كل بَدَنَة بِبَضْعَةٍ فجعلت فى قِدْر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. والتقرب إلى اللَّه ﵎ بالهدايا والذبائح هو دين جميع النبيين والمرسلين وإلى ذلك يشير اللَّه ﵎ فى كتابه الكريم حيث يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ كما أشار اللَّه ﵎ إلى أن الهدى إنما يكون من بهيمة الأنعام وهى الإِبل والبقر والغنم فى قوله ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ كما أخبر الرب وتبارك وتعالى أن البدن من شعائر اللَّه فليس لأحد أن يدفع مكان الهدى قيمته ولذلك
[ ٤ / ٢٥٧ ]
لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولا من أتباعهم بإحسان أن أفتى بجواز دفع قيمة الهدى وترك الذبح مهما كان، لما فهموا عن اللَّه ورسوله -ﷺ- أن إراقة دم الهدى مقصود شرعى لا تسد مسده النقود مهما كانت أو بلغت وإلى ذلك يشير الرب ﵎ حيث يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقد بين رسول اللَّه -ﷺ- أن البدنة تكفى عن سبعة وأن البقرة تكفى عن سبعة كذلك فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: نحرنا مع رسول اللَّه -ﷺ- عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وفى لفظ لجابر ﵁ فى البخارى ومسلم قال: "أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- أن نشترك فى الإِبل والبقر كلٌ سبعة منا فى بدنة" وقد أوضحت الشريعة الإِسلامية أن الهدى إنما يجب على المتمتع أو القارن فإن اللَّه ﵎ يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كما
[ ٤ / ٢٥٨ ]
ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- نحر هديه وكان قارنا. كما أشار اللَّه ﵎ إلى زمان ومكان نحر الهدى حيث يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقد بيَّن رسولُ اللَّه -ﷺ- زمان ومكان نحر الهدى الذى أشارت إليه الآية الكريمة فيما رواه مسلم وأحمد وأبو داود من حديث جابر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا فى رحالكم" كما رواه ابن ماجه أيضا وفيه: "وفجاج مكة طريق ومنحر" قال القرطبى ﵀ فى تفسير قوله ﷿: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الآية: قال: ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بالإِجماع وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر ويستمر النحر إلى ثلاثة أيام من يوم النحر، وينبغى لصاحب الهدى أن يأكل منه وقد حض اللَّه ﵎ على ذلك فى غير موضع من كتابه الكريم فهو يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ويقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ والبائس الفقير هو المضطر المحتاج. والقانع هو الفقير أى السائل والمعتر هو الزائر أى المتعرض لآكل اللحم. وفى ذلك توسعة على المسلمين ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم الأكل من الهدايا ولذلك حرص رسول اللَّه -ﷺ- أن يأكل من هديه وهدى أزواجه ﵅ وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- قارنا وكانت أزواجه ﵅ متمتعات. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ١٨/ ١٣٩٥/١١ هـ.
[ ٤ / ٢٥٩ ]