بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد بينت فى الحديث السابق أن المبيت بمنى ليالى التشريق من واجبات الحج، وأن من تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. وأشير هنا إلى أنه ينبغى لمن أراد التعجل فى يومين أن يحرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثانى من أيام التشريق فإذا غابت الشمس قبل ارتحاله من منى وجب عليه المبيت والرمى فى اليوم الثالث بعد الزوال أيضا، والتعجل فى يومين رخصة رخص فيها اللَّه ﵎. والبقاء إلى اليوم الثالث بمنى عزيمة وقد رخص رسول اللَّه -ﷺ- للناس فى التعجل وبقى هو -ﷺ- فى منى لم يتعجل حتى رمى الجمرات الثلاث فى اليوم الثالث من أيام التشريق بعد زوال الشمس كاليومين السابقين ثم ارتحل ﷺ من منى قبل أن يصلى الظهر. ومما ينبغى لفت الانتباه إليه أن المبيت الواجب فى منى يكفى فيه الوجودُ بمنى أكثر الليل سواء كان من أول الليل أى من آخره أى من وسطه ولا يلزم الحاجَّ أن يكون موجودا بمنى من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فله أن ينزل إلى مكة بالليل لقضاء حاجة من طواف أو غيره ما دامت راحته واستقراره بمنى أكثر الليل. وعلى الحاج أن يحافظ على الصلوات الخمس. وتصلى كل صلاة فى وقتها ويقصر الرباعية
[ ٤ / ٢٦٩ ]
فيصلى الظهر ركعتين فى وقت الظهر والعصر ركعتين فى وقت العصر والمغرب ثلاث ركعات فى وقت المغرب والعشاء ركعتين فى وقت العشاء فالصلاة الرباعية تصلى قصرا بلا جمع فى أيام منى ويحرص الحاج على تكبير التشريق بعد الصلوات المكتوبات. واليوم الأول من أيام التشريق يسمى يوم القرِّ واليوم الثانى من أيام التشريق يسمى يوم الرءوس وقد أشار رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن اليوم الأول من أيام التشريق هو أعظم الأيام عند اللَّه بعد يوم النحر. فقد روى أبو داود من حديث عبد اللَّه بن قرط ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن أعظم الأيام عند اللَّه يومُ النحر ثم يوم القرِّ" ويوم القر هو ثانى أيام العيد وأول أيام التشريق. كما روى أبو داود بسند وصف رواته بأنهم ثقات من حديث سرَّاء بنت نبهان ﵂ قالت: خطبنا رسولُ اللَّه -ﷺ- يوم الرءوس فقال: "أى يوم هذا؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "أليس أوسط أيام التشريق؟ " وقد كانت خطبة رسول اللَّه -ﷺ- فى أوسط أيام التشريق للقضاء على التمييز العنصرى وأنه لا فضل لأحد على أحد بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الأرض أو المركز الاجتماعى وإنما يكون الفضل بتقوى اللَّه ﷿ باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ونفع عباده وتقديم الخير لبنى الإِنسان ودفع الأذى عن عباد اللَّه، على حد قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
[ ٤ / ٢٧٠ ]
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فقد روى أحمد ﵀ بسند رجاله رجال الصحيح من طريق أبى نضرة ﵀ قال: حدثنى مَن سمع رسول اللَّه -ﷺ- يخطب فى أوسط أيام التشريق فقال: "أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبَلَّغتُ؟ " قالوا: بلَّغ رسولُ اللَّه -ﷺ-. وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- قد خطب يوم النحر لتأكيد تقرير حماية أعراض الناس ودمائهم وأموالهم وسائر حقوقهم فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى بكرة ﵁ قال: "خطبنا النبى -ﷺ- يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، السَّنَةُ اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُمٌ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم ورجبُ مضرَ الذى بين جمادى وشعبان. وقال: "أى شهر هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا بلى. قال: "أى بلد هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يومَ النحر؟ " قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم
[ ٤ / ٢٧١ ]
عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فى بلدكم هذا، فى شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدى ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا هل بلَّغت؟ قالوا نعم، قال: "اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" وقرر كذلك -ﷺ- تحديد المسئولية وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى فقد روى ابن ماجه والترمذى وصححه من حديث عمرو بن الأحوص ﵁ قال سمعت رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول فى حجة الوداع: "أو يوم هذا؟ " قالوا يومُ الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ألا لا يجنى جان إلا على نفسه ولا يجنى والد على ولده ولا مولود على والده ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد فى بلدكم هذا أبدا ولكن سيكون له طاعة فى بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى بها. ألا وكل دم من دماء الجاهلية موضوع. ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع. لكم رءوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تظلَمون. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢١/ ١١/ ١٣٥٩ هـ