[ ٦ / ٥١ ]
١ - عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبى -ﷺ- قال: "من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها" قال عروة: وقضى به عمر فى خلافته. رواه البخارى.
[المفردات]
إحياء الموات: أى عمارة الأرض الخربة وبعث الخصب فيها بالحرث والسقى والزرع أو الغرس فى الأراضى الزراعية أو البناء فوقها فى الأراضى السكنية. قال الحافظ فى الفتح: قال القزاز: الموات الأرض التى لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطلها بفقد الحياة اهـ قال الجوهرى: الموات بالضم الموت وبالفتح ما لا روح فيه، والأرض التى لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد.
عروة: هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ابن عبد العزى بن قصى الأسدى أبو عبد اللَّه قيل ولد سنة ٢٣ هجرية فى آخر خلافة عمر ﵁ وقيل ولد سنة عشرين من الهجرة، فيكون بينه وبين أخيه عبد اللَّه ﵁ عشرون سنة وقيل ولد فى أوائل خلافة عثمان ﵁ وقال مسلم بن
[ ٦ / ٥١ ]
الحجاج فى كتاب التمييز: حج عروة مع عثمان وقد روى عروة عن أبيه وأخيه عبد اللَّه وأمه أسماء بنت أبى بكر الصديق وخالته عائشة وعلى بن أبى طالب وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحكيم بن حزام وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن جعفر وعبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأسامة بن زيد، وأبى أيوب، وأبى هريرة وحجاج الأسلمى وسفيان ابن عبد اللَّه الثقفى وعمروبن العاص ومحمد بن مسلمة والمسور بن مخرمة والمغيرة بن شعبة وناجية الأسلمى وأبى حميد الساعدى وأم سلمة زوج النبى -ﷺ- وأم هانئ بنت أبى طالب وأم حبيبة بنت أو سفيان زوج النبى -ﷺ- وجابر ابن عبد اللَّه الأنصارى والنعمان بن بشير وعبيد اللَّه بن عدى بن الخيار وغيرهم ﵃ وروى عنه أولاده عبد اللَّه وعثمان وهشام ومحمد ويحيى وغيرهم قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث فقيها عالما ثبتا مأمونا. وقال ابن شهاب: كان إذا حدثنى عروة ثم حدثتنى عمرة صدق عندى حديث عمرة حديث عروة فلما
[ ٦ / ٥٢ ]
بحرتهما إذا عروة بكر لا ينزف. وعده أبو الزناد فى فقهاء المدينة السبعة. قال ابن عيينة عن هشام: خرج عروة إلى الوليد فخرجت برجله أكلة فقطعها وسقط ابن له عن ظهر بيت له فوقع تحت أرجل الدواب فوطئته فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. اللهم إن كنت أخذت لقد أعطيت وإن كنت ابتليت لقد عافيت. ومن معنى كلامه ﵀: أن تجلب الحسنة وأن السيئة تجلب السيئة. وقد اختلف فى وفاته ﵀ فقيل سنة ٩١ وقيل ٩٢ وقيل ٩٣ وقيل ٩٤ وقيل ٩٥ وقيل ٩٩ وقيل ١٠٠ وقيل ١٠١ هـ ﵀ ورضى عنه.
عمر: أى أحْيَا وفى بعض نسخ البخارى: أعمر قال الحافظ فى الفتح: بفتح الهمزة والميم من الرباعى قال عياض: كذا والصواب عَمَرَ ثلاثيا قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارا قال ابن بطال: ويمكن أن يكون أصله من اعتمر أرضا أى اتخذها. وسقطت التاء من الأصل وقال غيره: قد سمع فيها الرباعى يقال: أعمر اللَّه بك منزلك. فالمراد
[ ٦ / ٥٣ ]
من أعمر أرضا بالإحياء فهو أحق بها من غيره، وحذف متعلق أحق للعلم به، ووقع فى رواية أبى ذر: من أُعمر بضم الهمزة أى أعمره غيره وكأن المراد بالغير الإمام وذكره الحميدى فى جمعه بلفظ: من عمر من الثلاثى وكذا هو عند الإسماعيلى من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخارى فيه اهـ.
ليست لأحد: أى ليس لأحد ملك ولا حق فيها.
فهو أحق بها: أى فهو مقدم فى استحقاق تملكها دون غيره.
وقضى به عمر فى خلافته: أى وحكم عمر ﵁ فى وقت خلافته أن من أحيا مواتا من الأرض فهو أحق به.
[البحث]
لفظ هذا الحديث فى صحيح البخارى من طريق محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة ﵂ عن النبى -ﷺ- قال: من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق. قال عروة: قضى به عمر ﵁ فى خلافته اهـ وقد ذكرت فى شرح مفردات هذا الحديث ما ذكره الحافظ من البحث فى لفظ أعمر: كما أن لفظة: "بها" ليست فى الحديث ولذلك قال الحافظ فى الفتح كما ذكرت: وحذف متعلق أحق للعلم به اهـ. على أن الإسماعيلى قد صرح بها فى روايته. أما الأثر الذى علقه البخارى وهو قوله: قال عروة:
[ ٦ / ٥٤ ]
قضى به عمر الخ. فقد قال الحافظ فى الفتح: هو موصول بالإسناد المذكور إلى عروة ولكن عروة عن عمر مرسلا لأنه ولد فى آخر خلافة عمر اهـ وقد أخرج مالك فى الموطأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه ﵁ أن عمر بن الخطاب قال: من أحيا أرضا ميتة فهى له، قال الحافظ فى الفتح: وروينا فى الخراج ليحيى بن آدم سبب ذلك فقال: حدثنا سفيان عن الزهرى عن سالم عن أبيه قال: كان الناس يتحجرون يعنى الأرض على عهد عمر فقال: من أحيا أرضا فهى له. قال يحيى: كأنه لم يجعلها له بمجرد التحجير حتى يحييها وقال الحافظ فى الفتح أيضا: وروينا فى كتاب الخراج ليحيى بن آدم من طريق محمد بن عبيد اللَّه الثقفى قال: كتب عمر بن الخطاب: من أحيا مواتا من الأرض فهو أحق به. وروى من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أو غيره أن عمر قال: من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهى له. وكأن مراده بالتعطيل أن يتحجرها ولا يحوطها ببناء ولا غيره. وأخرج الطحاوى الطريق الأولى أتم منه بالسند إلى الثقفى المذكور قال: خرج رجل من أهل البصرة يقال له أبو عبد اللَّه إلى عمر فقال: إن بأرض البصرة أرضا لا تضر بأحد من المسلمين وليست بأرض خراج فإن شئت أن تقطعنيها أتخذها قضبا وزيتونا. فكتب عمر إلى أبى موسى: إن كانت كذلك فأقطعها إياه اهـ
[ ٦ / ٥٥ ]
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من أحيا أرضا مواتا ليست لأحد كان أحق بها.
٢ - أن من تحجر أرضا مواتا لا يملكها بالتحجير.
٣ - أن من تحجر أرضا مواتا ولم يحيها فى حدود ثلاث سنوات ثم جاء غيره فأحياها كانت للذى أحياها.
٤ - ينبغى استئذان السلطان قبل إحياء الأرض الموات.
٥ - أن إقطاع السلطان لا يعتبر تمليكا إلا بعد الإحياء.
٦ - أن إحياء الأراضى الزراعية يختلف عن إحياء الأراضى السكنية.
٧ - لا يحل لمسلم أن يعتدى على أرض موات مملوكة ليحييها ويتملكها.
٨ - أن من أحيا الأرض الموات المتعلقة بحق المسلمين أو مصالحهم لا يملكها بالإحياء.
[ ٦ / ٥٦ ]
٢ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبى ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهى له" رواه الثلاثة وحسنه الترمذى وقال: رُوِىَ مرسلا وهو كما قال. واختلف فى صحابيه، فقيل جابر، وقيل: عائشة، وقيل عبد اللَّه بن عمر، والراجح الأول.
[المفردات]
فهى له: أى يستحق ملكيتها.
الثلاثة: أى أبو داود والترمذى والنسائى.
[ ٦ / ٥٦ ]
وقال: أى الترمذى.
وهو: أى الواقع فى رواية هذا الحديث.
كما قال: أى كما قال الترمذى بأنه روى مرسلا فهو حديث مرسل.
فى صحابيه: أى فى راويه من الصحابة عن رسول اللَّه -ﷺ-.
عبد اللَّه بن عمر: هكذا وقع فى نسخ بلوغ المرام وصوابه أنه عبد اللَّه بن عمرو.
والراجح: أى والقول المقدم فى هذه الأقوال.
الأول: أى أنه من رواية سعيد بن زيد.
[البحث]
قد تقدم بحث هذا الحديث عند الكلام على الحديث الرابع من أحاديث باب الغصب وقد أوضحت فيه الكلام على وصل هذا الحديث وإرساله والخلاف فى صحابيه.
[ ٦ / ٥٧ ]
٣ - وعن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة ﵁ أخبره أن النبى -ﷺ- قال "لا حمى إلا للَّه ولرسوله" رواه البخارى.
[المفردات]
لا حمى إلا للَّه ولرسوله: الحمى لغة المنع قال فى القاموس: حَمَى الشئ يحميه حَمْيا وحِمَايَة بالكسر ومحمية منعه، وكلأ حِمًى كرِضًى محمى اهـ ويقال: حَمَى
[ ٦ / ٥٧ ]
المريض أى منعه ما يضره ومنه قول الشاعر:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا كأنك يحميك الشراب طبيب
والحِمَى المكان المحمىُّ، وأحْمَى المكان جعله حِمًى لا يُقْرَبُ أو وجده حِمًى. قال الحافظ فى الفتح: أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مُخْصِبًا استعوى كلبه على مكان عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى المكان المحمى، وهو خلاف المباح ومعناه أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها. اهـ وقد جاء فى حديث النعمان بن بشير ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى اللَّه محارمه. ويعرف الحمى شرعا بأن يمنع الإمام الرعى فى أرض مخصوصة من المباحات يجعلها مخصوصة برعى بهائم الصدقة مثلا فلا يمكن أحد من إحيائها. وقد أبطل الإسلام عادة الجاهلية فى الحمى وقصره على إمام المسلمين لمصلحة المسلمين.
[ ٦ / ٥٨ ]
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى الشرب فى باب لا حمى إلا للَّه ولرسوله -ﷺ- من طريق ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول اللَّه قال: "لا حمى إلا للَّه ولرسوله" وقال: بلغنا أن النبى -ﷺ- حَمَى النقيع وأن عمر حَمَى الشَّرَفَ والرَّبَذَة: قال الحافظ فى الفتح: "قوله: وقال: بلغنا أن النبى -ﷺ- حمى النقيع" كذا لجميع الرواة إلا لأبى ذر، والقائل هو ابن شهاب وهو موصول بالإسناد المذكور إليه وهو مرسل أو معضل، وهكذا أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب فذكر الموصول والمرسل جميعا. ووقع عند أبى ذر: وقال أبو عبد اللَّه: بلغنا، إلى آخره فظن بعض الشراح أنه من كلام البخارى المصنف وليس كذلك فقد أخرجه الإسماعيلى من طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكير شيخ البخارى فيه فذكر الموصول والمرسل جميعا على الصواب كما أخرجه أبو داود وقد وقع لأبى نعيم فى مستخرجه فيه تخبيط فإنه أخرجه من الوجه الذى أخرجه منه الإسماعيلى فاقتصر فى الإسناد الموصول على المتن المرسل، وهو قوله "حَمَى النقيع" وليس هذا من حديث ابن عباس عن الصعب وإنما هو بلاغ للزهرى كما تقدم اهـ. والنقيع فى الأصل يطلق على كل موضع يستنقع فيه الماء والبئر الكثيرة الماء وهو يطلق على بعض المواضع كذلك كنقيع الخضمات وهو الذى جمع
[ ٦ / ٥٩ ]
فيه أسعد بن زرارة بالمدينة أما النقيع الذى حماه رسول اللَّه -ﷺ- فإنه يقع جنوبى المدينة ويعرف الآن بوادى النقيع ويقع شمالى الفرع وشرقى ورقان ومساحته حوالى ميل فى ثمانية أميال ويبعد النقيع عن المدينة بنحو ثمانين "كيلو متر" وسيل وادى النقيع يصب فى وادى العقيق وما روى من أن نقيع الحمى هو نقيع الخضمات فليس بصحيح لأنه من رواية عبد اللَّه العمرى وهو ضعيف وأما قوله: لا حمى إلا للَّه ولرسوله. فقد قال الحافظ فى الفتح. قال الشافعى: يحتمل معنى الحديث شيئين أحدهما: ليس لأحد أن يحمى للمسلمين إلا ما حماه النبى -ﷺ- والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه النبى -ﷺ- فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمى وعلى الثانى يختص الحمى بمن قام مقام رسول اللَّه -ﷺ- وهو الخليفة خاصة اهـ والظاهر هو المعنى الثانى لما ثبت أن عمر ﵁ حمى بعد رسول اللَّه -ﷺ- وكذلك حمى عثمان بعد عمر ﵄ فقد تواتر عند الناس أن عمر حمى الشرف والربذة وكون عروة ولد فى أواخر خلافة عمر لكنه شب ونشأ فى المدينة فى قوم لا يجهلون ما حماه عمر ﵄ كما روى البخارى فى صحيحه فى أواخر الجهاد من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هُنيًّا على الحمى، فقال يا هُنَىُّ: اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخِل ربَّ الصُّرَيْمَة وربَّ الغُنَيْمَة، وإياى ونَعَمَ ابن عوف ونَعَمَ ابن عفان،
[ ٦ / ٦٠ ]
فإنهما إن تَهْلِكْ ماشِيَتُهُمَا يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتنى ببينه فيقول: يا أمير المؤمنين: أفَتَاركُهُمْ أنا؟ لا أبَا لَكَ. فالماء والكلأ أيْسَرُ علىَّ من الذهب والورق، وأيْمُ اللَّه إنهم لَيَرَوْنَ أنى قد ظلمتهم، إنها لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عليها فى الجاهلية، وأسلموا عليها فى الإسلام، والذى نفسى بيده لولا المال الذى أحمل عليه فى سبيل اللَّه ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبرا. وقول عمر ﵁ فى هذا الحديث: وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة أى لا تمنع من الرعى فى الحمى رب الصريمة ورب الغنيمة. والصريمة تصغير صِرْمَة بكسر الصاد وهى القطعة من الإبل ما بين عشرة إلى بضع عشرة وقيل: ما بين العشر إلى الأربعين، وقيل: ما بين العشرين إلى الثلاثين. والتصغير للتقليل. أى أدخل إلى الرعى فى الحمى أصحاب الإبل القليلة والغنم القليلة تيسيرا لهؤلاء الضعاف وجبرا لخاطرهم. والمراد بالحمى المذكور فى الحديث هو حمى الشرف والربذة الذى سقته عن البخارى فى هذا البحث والشرف بفتح الشين والراء وهو جبل قال فى القاموس: قرب جبل شُرَيْف، وشُرَيْفٌ أعلى جبل ببلاد العرب وقد صعدته، وفى الشرف حمى ضرية والربذة اهـ وقول صاحب القاموس: حمى ضرية والربذة فيه نظر لأن ضَرِيَّةَ تقع فى أرض القصيم على بعد حوالى مئة وخمسين "كيلو متر" جنوب غرب مدينة الرس وتقع شرقى الربذة مع ميل إلى الجنوب بحوالى مائتى "كيلو متر" وتقع ضرية بين الرس وعفيف أما الربذة فتبعد عن المدينة المنورة بحوالى مائتى "كيلو متر" وتقع شرقى المدينة مع ميل إلى
[ ٦ / ٦١ ]
الجنوب، وكانت قديما على طريق العراق إلى الحجاز، ويقع شماليها جبل سنام. ويبعد عنها بحوالى "١٢ كيلو متر" وقد كانت الربذة قرية عامرة إلى أن خَرَّبَهَا القرامطة سنة ٣١٩ هـ. وقول الحافظ فى الفتح فى الربذة: موضع معروف بين مكة والمدينة، غير سديد، أما الشرف فهو جبل يقع بجوار الربذة من شرق على بعد عشرة "كيلو متر" تقريبا منها. ويمتد هذا الجبل من "عرجا" شمالا إلى الجنوب بطول مائة "كيلو متر" تقريبا. وسيله ينحدر من شرقيه إلى القصيم، ومن غربيه إلى الحجاز، ويبدو أنه أعلى مكان هناك. والظاهر أن الفيروزآباذى لم يتمكن من معرفة هذه الأماكن، ولذلك كان كلامه مضطربا. فقد قال فى فصل الضاد من باب الواو والياء: وضرية بين البصرة ومكة. وعند كلامه على الربذة فى فصل الراء من باب الذال قال: قرب المدينة اهـ وقد اشتهر عند الناس أن عمر ﵁ حمى ضرية كذلك فهو قد حمى الربذة والشرف وضرية ثم جاء عثمان ﵁ فحافظ على حمى النقيع الذى حماه رسول اللَّه ﷺ وحافظ على حمى الربذة والشرف وضرية إلى أن ازدادت النعم فى عهد عثمان ﵁ فبلغت نحوا من أربعين ألفا فأمر عثمان ﵁ أن يزاد فى الحمى ما يحمل إبل وظهر الغزاة، فزاد فيها زيادة كبيرة لمصلحة المسلمين، واشترى عثمان ﵁ ماء من مياه بنى ضبينة كان أدنى مياه غنى إلى ضرية يقال له البكرة وأدخله فى الحمى بعد أن اشتراه من ماله ﵁.
[ ٦ / ٦٢ ]
[ما يفيده الحديث]
١ - إبطال عادات أهل الجاهلية.
٢ - جواز أن يحمى الإمام بعض النواحى فلا ترعى إلا لمواشى بيت مال المسلمين.
٣ - جواز الإذن بالرعى فى الحمى لبعض ذوى الحاجة من المسلمين
٤ - لا يجوز إحياء الموات الذى ما تتعلق به مصالح المسلمين.
[ ٦ / ٦٣ ]
٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" رواه أحمد وابن ماجه وله من حديث أبى سعيد مثله، وهو فى الموطأ مرسل.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عباس ﵄.
لا ضرر ولا ضرار: قال ابن منظور فى لسان العرب: وروى عن النبى ﷺ أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام" قال ولكل واحد من اللفظين معنى غير الآخر فمعنى قوله: لا ضرر أى لا يضر الرجل أخاه وهو ضد النفع، وقوله: ولا ضرار أى لا يضار كل واحد منهما صاحبه،
[ ٦ / ٦٣ ]
وقوله: ولا ضرار أى لا يضار كل واحد منهما صاحبه، فالضرار منهما معا، والضرر فعل واحد. ومعنى قوله: ولا ضرار أى لا يدخل الضرر على الذى ضره ولكن يعفو عنه كقوله ﷿: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قال ابن الأثير: قوله لا ضرر أى لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه. والضرار فعال من الضر أى لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل: هما بمعنى، وتكرارها للتأكيد اهـ.
وله: أى ولابن ماجه، وسأشير فى البحث إلى أن هذا وهم، فلم يخرجه ابن ماجه من حديث أبى سعيد ﵁.
أبى سعيد: هو الخدرى ﵁.
مثله: أى مثل حديث ابن عباس ﵄.
هو: أى حديث لا ضرر ولا ضرار.
مرسل: أى من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازنى عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبى حسن عن النبى -ﷺ- ويحيى تابعى.
[ ٦ / ٦٤ ]
[البحث]
أخرج ابن ماجه حديث ابن عباس من طريق جابر الجعفى عن عكرمة عن ابن عباس وجابر الجعفى متهم، وقال ابن ماجه: حدثنا عبد ربه بن خالد النُّمَيْرِى أبو المُغَلِّس، ثنا فُضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه -ﷺ- قضى أن "لا ضرر ولا ضرار" قال فى الزوائد: فى حديث عبادة هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع لأن إسحاق بن الوليد قال الترمذى وابن عدى: لم يدرك عبادة ابن الصامت. وقال البخارى لم يلق عبادة اهـ ولم يخرج ابن ماجه هذا الحديث من طريق أبى سعيد ﵁ فالظاهر أن قول المصنف: "وله من حديث أبى سعيد مثله" وهم وقد تتبعت سنن ابن ماجه فلم أجده فيه من طريق أبى سعيد. وقد تبع الصنعانى فى سبل السلام المصنف فى هذا الوهم. كما تابعهما على ذلك الشوكانى فى نيل الأوطار حيث قال: قال ابن كثير أما حديث "لا ضرر ولا ضرار" فرواه ابن ماجه عن عبادة ابن الصامت. وروى من حديث ابن عباس وأبى سعيد الخدرى وهو حديث مشهور اهـ ثم قال الشوكانى: وهو أيضا عند ابن ماجه والدارقطنى والحاكم والبيهقى من حديث أبى سعيد اهـ ولا خلاف عن مالك ﵀ فى إرساله هذا الحديث عن عمرو بن يحيى المازنى عن أبيه عن النبى -ﷺ- وقال الزيلعى فى نصب الراية: قوله -ﷺ-: لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام، روى من حديث عبادة
[ ٦ / ٦٥ ]
ابن الصامت وابن عباس وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وأبى لبابة وثعلبة ابن مالك وجابر بن عبد اللَّه وعائشة ﵃. وقال الحافظ زين الدين العراقى فى تخريج أحاديث مختصر المنهاج: حديث: لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام. ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت دون قوله فى الإسلام وكذا رواه الحاكم من حديث أبى سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم اهـ وقد أخرج الدارقطنى حديث لا ضرر ولا ضرار عن عائشة ﵂ من طريق الواقدى وأخرجه من حديث ابن عباس وفى سنده عنده إبراهيم بن إسماعيل وهو ابن أبى حبيبة وفيه مقال. وقال الدارقطنى: نا إسماعيل بن محمد الصفار نا عباس بن محمد نا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ابن أبى عبد الرحمن نا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى أن النبى -ﷺ- قال: لا ضرر ولا ضرار اهـ وقد رواه الحاكم فى المستدرك من حديث عثمان بن محمد بن ربيعة بسند الدارقطنى ومتنه وزاد فى آخره: من ضر ضره اللَّه ومن شق شق اللَّه عليه وقال صحيح الإسناد.
وقد أخرجه الدارقطنى كذلك من حديث أبى هريرة من طريق أحمد ابن محمد بن زياد نا أبو إسماعيل الترمذى نا أحمد بن يونس نا أبو بكر ابن عياش قال: أراه قال: عن ابن عطاء عن أبيه عن أبى هريرة أن النبى -ﷺ- قال لا ضرر ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه. وهذا الحديث مع كثرة طرقه لم يخل طريق منها
[ ٦ / ٦٦ ]
من مقال ومع ذلك فإن معناه وهو دفع الأذى والضرر عن النفس والغير وعدم المضارة هو من القواعد الأصولية التى أطبق على القول بها علماء الإسلام، مستنبطين ذلك من كتاب اللَّه وسنة رسوله -ﷺ- ويحكمون على كثير من الحوادث بها ففى كتاب اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ وكما قرن ﷿ الضرار بأكبر الذنوب حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ كما أن رسول اللَّه ﷺ. قد أخبر أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة فى أخبار كثيرة تقرر أنه لا يحل لمسلم أن يلحق ضررا بنفسه أو بغيره. واللَّه أعلم.
[ ٦ / ٦٧ ]
٥ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أحاط حائطا على أرض فهى له" رواه أبو داود وصححه ابن الجارود.
[المفردات]
من أحاط حائطا: أى بنى جدارا وأداره.
[ ٦ / ٦٧ ]
على أرض: أى موات ليست لأحد.
فهى له: أى فهو يستحقها.
[البحث]
هذا الحديث رواه أبو داود من طريق الحسن عن سمرة وفى سماع الحسن من سمرة خلاف تكرر ذكره فيما تقدم.
[ ٦ / ٦٨ ]
٦ - وعن عبد اللَّه بن مغفل ﵁ أن النبى ﷺ: قال "من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عَطَنًا لماشيته" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.
[المفردات]
عَطَنًا: الْعَطَنُ هو موطن الإبل ومَبْركُها حول الحوض وَمَرْبَضُ الغنم حول الماء.
[البحث]
سبب ضعف هذا الحديث أن ابن ماجه أخرجه بسندين مدارهما على إسماعيل بن مسلم المكى عن الحسن عن عبد اللَّه بن مغفل وهو ضعيف قال فى تهذيب التهذيب: قال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال على عن القطان لم يزل مخلطا كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب وقال إسحاق بن أبى اسرائيل عن ابن عيينة كان إسماعيل يخطئ أسأله
[ ٦ / ٦٨ ]
عن الحديث فما كان يدرى شيئا، وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث ثم قال: وقال ابن معين ليس بشئ وقال ابن المدينى: لا يكتب حديثه وقال الفلاس كان ضعيفا فى الحديث يهم فيه وكان صدوقا يكثر الغلط يحدث عنه من لا ينظر فى الرجال وقال الجوزجانى: واه جدا وقال أبو زرعة ضعيف الحديث وقال أبو حاتم ضعيف الحديث مختلط وقال ابن أبى حاتم: قلت لأبى: هو أحب إليك أو عمرو بن عبيد فقال: جميعا ضعيفان، وإسماعيل ضعيف الحديث ليس بمتروك يكتب حديثه وقال البخارى تركه يحيى وابن مهدى اهـ وقد ذكره العقيلى والدولابى والساجى وابن الجارود وغيرهم فى الضعفاء.
[ ٦ / ٦٩ ]
٧ - وعن علقمة بن وائل عن أبيه ﵁ "أن النبى ﷺ أقطعه أرضا بِحَضْرَ مَوْتَ" رواه أبو داود والترمذى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
علقمة بن وائل: هو علقمة بن وائل بن حُجْر بن ربيعة الحضرمى الكندى الكوفى روى عن أبيه والمغيرة ابن شعبة وعنه أخوه عبد الجبار بن وائل وابن أخيه سعيد بن عبد الجبار وعبد الملك بن عمير
[ ٦ / ٦٩ ]
وعمرو بن مرة وسماك بن حرب وغيرهم قال الترمذى: علقمة ابن وائل بن حُجْر سمع من أبيه وهو أكبر من عبد الجبار ابن وائل وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه اهـ وقال فى تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان فى الثقات. قلت: ذكره ابن سعد فى الطبقة الثالثة من أهل الكوفة وقال: كان ثقة قليل الحديث، وحكى العسكرى عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل اهـ.
أقطعه أرضا: أى منحه وخصه ببعض الأرض الموات.
بحضرموت: هى أرض بجنوبى اليمن تقع على البحر العربى "بحر الهند" وبها مدينة اسمها حضرموت كذلك. وحضرموت أيضا اسم قبيلة وسكان حضرموت يقال لهم الحضارمة والواحد حضرمى.
[البحث]
قال أبو داود ﵀ فى سننه: "باب إقطاع الأرضين: حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن سماك. عن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبى -ﷺ- أقطعه أرضا بحضرموت. وقال الترمذى: حدثنا محمود ابن غَيْلَان ثنا أبو داود الطيالسى ثنا شعبة عن سماك قال سمعت علقمة ابن وائل يحدث عن أبيه أن النبى -ﷺ- أقطعه أرضا بِحَضْرَمَوْت. قال محمود وثنا النضر عن شعبة وزاد فيه: وبعث معه معاوية ليقطعها إياه. هذا حديث حسن صحيح.
[ ٦ / ٧٠ ]
[ما يفيده الحديث]
١ - يجوز للإمام إقطاع بعض الأراضى الموات لبعض الناس ما لم يكن فى ذلك ضرر على أحد.
٢ - أن ما يشيعه "الشيوعيون والماسنيون" وبعض الجاهلين من لَمْز مَنْ أغناهم اللَّه بأنهم إقطاعيون هو من باب ترويج الباطل.
[ ٦ / ٧١ ]
٨ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبى -ﷺ- أقطع الزبير حُضْرَ فرسه، فأجْرَى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه حيث بلغ السَّوطُ. رواه أبو داود وفيه ضعف.
[المفردات]
الزبير: هو ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب الأسدى أبو عبد اللَّه حوارى رسول اللَّه -ﷺ- وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وأحد العشرة المبشرين بالجنة. شهد بدرا وما بعدها وهاجر الهجرتين وصلى للقبلتين. وهو أول من سل سيفا فى سبيل اللَّه. وعندما أسلم كان عمه يعلقه فى حصير ويدخن عليه بالنار ليرجع عن دين الإسلام فيقول الزبير: لا أكفر
[ ٦ / ٧١ ]
أبدا. وقد قتله عمرو بن جرموز المجاشعى غدرا بوادى السباع سنة ٣٦ وهو ابن سبع أو ست وستين سنة ﵁ وفى قتله تقول زوجته:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم الهياج وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
حُضْرَ فرسه: أى مقدار عَدْو فرسه. والحُضْر والإحضار هو ارتفاع الفرِس فى عَدْوِه ويقال: احتضر الفرس إذا عَدَا.
رمى بسوطه: أى قذف بالمقرعة التى كانت بيده.
حيث بلغ السوط: أى إلى المكان الذى وصل إليه السوط عند رميه.
وفيه: أى وفى هذا الحديث.
[البحث]
هذا الحديث عند أبى داود من رواية عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر ﵄.
[ ٦ / ٧٢ ]
وعبد اللَّه هذا هو المشهور بعبد اللَّه بن عمر المكبّر وأخوه عبيد اللَّه بن عمر بن حفص هو المشهور بالمصغر ولا شك فى توثيق عبيد اللَّه أما عبد اللَّه فقد نقل عن أحمد أنه كان يزيد فى الأسانيد ويخالف، وتركه يحيى بن سعيد ونقل عن على بن المدينى تضعيفه وقال صالح جزرة: لين مختلط الحديث، وقال النسائى، ضعيف الحديث وقال الترمذى فى العلل الكبير عن البخارى ذاهب لا أروى عنه شيئا، وقال البخارى فى التاريخ: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. واللَّه أعلم.
[ ٦ / ٧٣ ]
٩ - وعن رجل من الصحابة ﵁ قال: غزوت مع النبى -ﷺ- فسمعته يقول: الناس شركاء فى ثلاثة: فى الكلأ والماء والنار: رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات.
[المفردات]
غزوت مع النبى -ﷺ-: أى سافرت معه ﷺ للقتال فى سبيل اللَّه.
شركاء فى ثلاثة: أى خلطاء فى ثلاثة ليس لأحد منهم امتياز على أحد فيها ولا اختصاص.
الكلأ: هو العُشْب رطبه ويابسه.
[ ٦ / ٧٣ ]
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا على بن الجعد اللؤلؤى أخبرنا حريز بن عثمان عن حبان بن زيد الشرعبى عن رجل من قرن ح وثنا مسدد ثنا عيسى بن يونس ثنا حريز بن عثمان ثنا أبو خداش وهذا لفظ على عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبى -ﷺ- قال: غزوت مع النبى -ﷺ- ثلاثا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الكلأ والماء والنار" قال الحافظ فى تلخيص الحبير: وروى أبو داود فى السنن وأحمد فى المسند من حديث أبى خداش أنه سمع رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قال: غزوت مع رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثا أسمعه يقول: المسلمون شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار" ورواه أبو نعيم فى معرفة الصحابة فى ترجمة أبى خداش ولم يذكر الرجل وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: أبو خداش لم يدرك النبى -ﷺ-، وهو كما قال فقد سماه أبو داود فى روايته حبان بن زيد وهو الشرعبى وهو تابعى معروف اهـ وقد أشار فى التقريب إلى أنه أخرج له البخارى فى الأدب المفرد وأبو داود وقال: ثقة من الثالثة أخطأ من زعم أن له صحبة وقال فى تهذيب التهذيب: حبان بن زيد الشرعبى أبو خداش الحمصى روى عن عبد اللَّه بن عمرو ورجل من المهاجرين، روى عنه حريز بن عثمان. قلت وذكره ابن حبان فى الثقات وقد تقدم أن أبا داود قال: شيوخ حريز كلهم ثقات اهـ وقال ابن ماجه حدثنا عبد اللَّه بن سعيد ثنا عبد اللَّه بن خداش بن حوشب الشيبانى
[ ٦ / ٧٤ ]
عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الماء والكلأ والنار وثمنه حرام. قال فى الزوائد: عبد اللَّه بن خداش قد ضعفه أبو زرعة والبخارى وغيرهما وقال محمد بن عمار الموصلى: كذاب. وقال ابن ماجه حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" قال فى الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله موثقون لأن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد أبا يحيى المكى وثقه النسائى وابن أبى حاتم وغيرهما وباقى رجال الإسناد على شرط الشيخين اهـ وقد حاول دعاة بعض المذاهب المنحرفة أن يستدلوا بهذا الحديث على صحة مذهب "الاشتراكية" وهذا الحديث دليل عليهم وليس دليلا لهم لأنه إن صح قَصَر الاشتراك فى هذه الثلاثة وهم لم يقولوا بذلك علما بأن المراد بالكلأ هنا هو الكلأ المباح الذى لا يختص بأحد وبالماء ماء السماء والعيون والأنهار التى لا مالك لها وبالنار الشجر الذى يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه. قال الخطابى: الكلأ هو الذى ينبت فى موات الأرض يرعاه الناس، وليس لأحد أن يختص به. اهـ على أن فى نظام الإسلام وشرائعه ما يغنى عن كل مذهب مستورد من أعداء اللَّه وأعداء رسوله -ﷺ- وأعداء أنفسهم، وقد مضى على نزول القرآن أكثر من أربعة عشر قرنا لم يدون واحد من أهل العلم بشريعة الإسلام كلمة واحدة عن الاشتراكية وقد خلت كتب التفسير
[ ٦ / ٧٥ ]
والحديث والفقه منها ولم يعرفها العرب ولا المسلمون إلا بعد ظهور عدو اللَّه اليهودى الملحد المتنصر كارل ماركس فى القرن التاسع عشر الميلادى ولم يستفحل شرها ويستطر ضررها إلا بعد الانقلاب الشيوعى فى روسيا سنة ١٩١٧ م وهم لا يفرقون بين الشيوعية والاشتراكية، فجميع البلاد التى ابتليت بها يطلق عليها اسم البلاد الاشتراكية والبلاد الشيوعية. شتت اللَّه شملهم وفرَّق كلمتهم، وجعل دائرة السوء عليهم وطهر بلاد المسلمين منهم ومن أنصارهم، ومن السائرين فى ركابهم إنه على كل شئ قدير.
[ ٦ / ٧٦ ]