[ ١ / ٢٢ ]
١ - عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا فى صحافهما فإنها لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة) متفق عليه.
[المفردات]
(حذيفة بن اليمان) هو أبو عبد اللَّه حذيفة بن اليمان، هو وأبوه صحابيان جليلان -مات حذيفة بالمدائن سنة خمس أو ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة.
(صحافها) جمع صحفة وهى دون القصعة، قال الكسائى: الصحفة هى ما تشبع الخمسة.
(فإنها) أى آنية الذهب والفضة وصحافهما.
(لهم) أى للكفار المعلومين للمخاطبين.
[البحث]
محل هذا الحديث هو باب الأطعمة والأشربة وإنما ذكر المصنف هذا الحديث هنا ليفيد تحريم الوضوء فى آنية الذهب والفضة حملا لاستعمال هذه الآنية على الأكل والشرب فيها وقد أجمع أهل العلم على تحريم الأكل والشرب فى هذه الآنية، أما الاستعمال فى غير الأكل والشرب فقد روى البخارى عن أم سلمة أنها جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول اللَّه -ﷺ- فمضمضت الحديث، ومعنى أن هذه الآنية للكفار فى الدنيا أنهم يستعملونها للأكل والشرب فى الدنيا من غير أن تكون حلالا لهم ومن شرب منها فى الدنيا لن يشرب فيها فى
[ ١ / ٢٢ ]
الآخرة، روى البراء بن عازب ﵁ قال: نهانا رسول اللَّه -ﷺ- عن الشرب فى الفضة فإنه من شرب فيها فى الدنيا لم يشرب فيها فى الآخرة) مختصر من مسلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - الشرب فى آنية الذهب والفضة حرام.
٢ - وكذلك الأكل فى صحافها.
[ ١ / ٢٣ ]
٢ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ- (الذى يشرب فى إناء الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم) متفق عليه.
[المفردات]
(أم سلمة) هى أم المؤمنين هند بنت أبى أمية تزوجها النبى -ﷺ- سنة أربع من الهجرة وتوفيت سنة تسع وخمسين وعمرها أربع وثمانون سنة.
(يجرجر) الجرجرة: صوت وقوع الماء فى الجوف.
(جهنم) علم لطبقة من طبقات النار فهى ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث.
[البحث]
روى الشيخان الحديث بلفظ: (الذى يشرب فى إناء الفضة) وانفرد مسلم فى رواية أخرى بقوله: (فى إناء الفضة والذهب) وقد روى الحديث برفع النار على أنها فاعل مجازًا لأن الحقيقة أن نار جهنم لا تجرجر فى البطن، إنما جعل جرع الانسان للماء فى هذه الأوانى المنهى عنها واستحقاق العقاب على استعمالها كجرجرة نار جهنم
[ ١ / ٢٣ ]
فى جوفه بطريق المجاز على أن نصب النار هو الصحيح المشهور الذى عليه الشارحون وأهل اللغة وجزم به الأزهرى، وعليه ففاعل الجرجرة هو الشارب والنار مفعوله والمعنى: من شرب فى هذه الآنية فكأنما يجرع نار جهنم من باب (إنما يأكلون فى بطونهم نارا).
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الشرب فى آنية الفضة حرام.
٢ - وأنه كبيرة من الكبائر.
[ ١ / ٢٤ ]
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) أخرجه مسلم، وعند الأربعة (أيما إهاب دبغ).
[المفردات]
(الإهاب) بوزن الكتاب هو الجلد ما لم يدبغ فإذا دبغ فلا يقال له: إهاب.
(دبغ) الدباغ معالجة الجلد بشئ ينشف فضلاته ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة.
[البحث]
لهذا الحديث سبب وهو أن النبى -ﷺ- مر بشاة ميتة لميمونة ﵂ فقال هذا الحديث، وهو يفيد أن الدبغ يطهر جلد الميتة باطنه وظاهره، وأما ما أخرجه أحمد والبخارى فى تاريخه والأربعة والدارقطنى والبيهقى وابن حبان عن عبد اللَّه بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول اللَّه -ﷺ- قبل موته ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) وفى رواية الشافعى وأحمد وأبى داؤد (قبل موته بشهر) وفى رواية
[ ١ / ٢٤ ]
(بشهر أو شهرين) وحسنه الترمذى فلا يعارض هذا الحديث لأن حديث ابن عباس يفيد حل الانتفاع بالجلد بعد الدبغ وحديث عبد اللَّه بن عكيم يفيد تحريم الانتفاع قبل الدبغ فلا تعارض، وقد علمت أن الاهاب لا يطلق على الجلد إلا قبل الدبغ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الإهاب يطهر بالدباغ.
٢ - أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ.
[ ١ / ٢٥ ]
٤ - وعن سلمة بن المحبق ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- (دباغ جلود الميتة طهورها) صححه ابن حبان.
[المفردات]
(سلمة بن المحبق) هو أبو سنان سلمة بن المحبق يعد فى البصريين.
[البحث]
هذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داؤد والنسائي والبيهقى عن سلمة بلفظ: (دباغ الأديم زكاته) وفى لفظ: (دباغها زكاتها) وفى آخر (دباغها طهورها) وفى لفظ (زكاتها دباغها) وفى لفظ آخر (زكاة الأديم دباغه) وكلها تدل على ما دل عليه حديث ابن عباس.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الدباغ يطهر جلد الميتة.
[ ١ / ٢٥ ]
٥ - وعن ميمونة ﵂ قالت: مر رسول اللَّه -ﷺ- بشاة يجرونها فقال: (لو أخذتم إهابها؟) قالوا: إنها ميتة! فقال: (يطهرها الماء والقرظ) أخرجه أبو داؤد والنسائي.
[ ١ / ٢٥ ]
[المفردات]
(القرظ) ورق السلم وقيل: قشر البلوط.
[البحث]
هذا الحديث يدل أيضا على ما دل عليه حديث ابن عباس وكلها تفيد أن دباغ جلود الميتة يطهرها، إلا إنها تطهر للانتفاع بها، ولا يجوز أكل هذه الجلود وإن طهرت بالدباغ فقد روى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فأخبرت سودة رسول اللَّه -ﷺ- بموتها فقال: (فلولا أخذتم مسكها؟ قالوا: أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال رسول -ﷺ-، إنما قال اللَّه تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وأنتم لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فأتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الماء والقرظ يدبغان جلد الميتة.
٢ - وأن هذا الدباغ يطهرها.
[ ١ / ٢٦ ]
٦ - وعن أبى ثعلبة الخشنى ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل فى آنيتهم؟ قال: (لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) متفق عليه.
[المفردات]
(أبو ثعلبة الخشنى) هو جرهم بن ناشب من خشين بن النمر من قضاعة، مات سنة خمس وسبعين.
[ ١ / ٢٦ ]
(آنية) جمع إناء وهو معروف.
(أهل كتاب) هم اليهود والنصارى.
[البحث]
هذا الحديث روى بلفظ (إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل فى آنيتهم؟ قال: (لا تأكلو فيها، الحديث، وهو يفيد النهى عن الأكل فى آنية أهل الكتاب إلا إذا لم يوجد غيرها فتغسل ويؤكل فيها ويستفاد من ذلك أنها نجسة، وسيأتى عن عمران بن حصين ﵁ أن النبى -ﷺ- وأصحابه توضؤا من مزادة امرأة مشركة وهذا يدل على أن آنية المشركين طاهرة مع أن المشركين دون أهل الكتاب وقد قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وقد روى أحمد وأبو داؤد عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: كنا نغزو مع رسول اللَّه -ﷺ- فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنتمتع بها ولا يعيب ذلك علينا) ويدفع هذا التعارض بأن النهى عن الأكل فى آنية أهل الكتاب محمول على ما يطبخ فيها الخنزير وما يشرب فيها الخمر لأن هذه الرواية التى معنا -وإن كانت مطلقة- فقد قيدتها رواية أبى داؤد وأحمد بلفظ (إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون فى قدورهم الخنزير ويشربون فى آنيتهم الخمر فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (إن وجدتم غيرها) الحديث، ولا شك أن المطلق يحمل على المقيد.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن آنية أهل الكتاب لا يؤكل فيها إذا طبخ فيها الخنزير.
٢ - وأنه إذا طبخ فيها الخنزير أو شرب فيها الخمر ولم يجد المسلم غيرها فإنه يغسلها ويأكل فيها.
[ ١ / ٢٧ ]
٧ - وعن عمران بن حصين ﵁ (أن النبى -ﷺ- وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة) متفق عليه فى حديث طويل.
[المفردات]
(عمران بن حصين) هو أبو نجيد الخزاعى الكعبى، مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين.
(مزادة) تكون من جلدين تقام بثالث بينهما لتتسع، وهى السطيحة.
[البحث]
أخرج البخارى هذا الحديث بألفاظ فيها أن النبى -ﷺ- بعث عليًا وآخر معه فى بعض أسفاره -ﷺ- وقد فقدوا الماء- فقال: (اذهبا فابتغيا الماء) فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت عهدى بالماء أمس هذه الساعة! قالا: انطلقى إلى رسول اللَّه -ﷺ-، إلى أن قال: ودعا النبى -ﷺ- بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، ونودى فى الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء -الحديث.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن آنية المشركين طاهرة.
٢ - وأن طهور الميتة بالدباغ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين وذبائحهم ميتة.
[ ١ / ٢٨ ]
٨ - وعن أنس بن مالك ﵁ (أن قدح النبى -ﷺ- انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة) أخرجه البخارى.
[المفردات]
(الشعب) لفظ مشترك بين معان المراد منها هنا: الصدع والشق.
[ ١ / ٢٨ ]
(سلسلة) بفتح أوله: إيصال الشئ بالشئ، وبكسر أوله: دائرة من حديد ونحوه والظاهر أن المراد من الحديث الأول.
[البحث]
نقل البيهقى أن الذى اتخذ مكان الشق سلسلة من فضة هو أنس إبن مالك إلا أن فى البخارى من حديث عاصم الأحول: رأيت قدح النبى -ﷺ- عند أنس بن مالك وقد انصدع فسلسله بفضة، وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول اللَّه -ﷺ- فتركه، وهذا يؤكد أن الذى اتخذ السلسلة هو رسول اللَّه -ﷺ- وأن القدح لم يتغير عما كان عليه على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وحلقة الحديد التى أراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من فضة أو ذهب غير السلسلة.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يجوز الشرب من الإناء المضبب بالفضة.
[ ١ / ٢٩ ]