[ ٦ / ١١٨ ]
١ - عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبى -ﷺ- بِتَمْرَةٍ فى الطريق فقال: "لولا أنى أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" متفق عليه.
[المفردات]
اللقطة: قال الحافظ فى الفتح: واللقطة الشئ الذى يلتقط وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشرى فى الفائق. اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها كذا قال. وقد جزم الخليل بأنها بالسكون قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهرى هذا الذى قاله هو القياس ولكن الذى سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح اهـ
بتمرة فى الطريق: أى بتمرة ساقطة على الأرض فى ممر الناس.
فقال: أى رسول اللَّه -ﷺ-.
أخاف: أى أخشى.
أن تكون من الصدقة: أى أن تكون هذه التمرة الساقطة على الأرض من تمر الصدقة والصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ﵇.
[البحث]
عنون البخارى ﵀ لهذا الحديث بقوله: باب إذا وجد تمرة فى الطريق وساقه ثم ساق من حديث أبى هريرة ﵁ عن
[ ٦ / ١١٨ ]
النبى -ﷺ- قال: إنى لأنقلب إلى أهلى فأجد التمرة ساقطة على فراشى فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فأُلقِيهَا" وحديث أنس ﵁ ظاهر فى أن التمرة إذا وجدت فى الطريق جاز التقاطها وأكلها وأنها لا تحتاج إلى تعريف وكذلك سائر المحقرات وقد أثر عن عمر ﵁ أنه وجد رجلا ينادى: يا من سقطت له لوزة أو جوزة فى الطريق؟ فقال له عمر ﵁: كلْها يا صاحب الورع الكاذب. أما حديث أبى هريرة فقد نص على أنه -ﷺ- يجد التمرة ساقطة على فراشه ومثل هذه لا تكون من باب اللقطة ولكنها تشعر أن رسول اللَّه -ﷺ- لا يتكبر أن يأكل تمرة ساقطة وإنما يتركها مخافة أن تكون من الصدقة وهى لا تحل له -ﷺ- وقد روى ابن أبى شيبة عن ميمونة زوج النبى -ﷺ- أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب اللَّه الفساد قال الحافظ فى الفتح: تعنى أنها لو تركت فلم تؤخذ فتؤكل فسدت.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز التقاط التمرة ونحوها من الطريق وأكلها دون حاجة إلى تعريف.
٢ - أنه لا عيب على من وجد تمرة ونحوها فى الطريق فأكلها.
٣ - أنه لا يجوز تضييع المال مهما كان.
[ ٦ / ١١٩ ]
٢ - وعن زيد بن خالد الجهنى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبى -ﷺ- فسأله عن اللقطة فقال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكِاءَهَا
[ ٦ / ١١٩ ]
ثم عَرِّفْهَا سَنَةً فإن جاء صاحبها وإلا فَشَأنك به" قال: فَضَالَّةُ الغنم؟ قال: "هى لك أو لأخيك أو للذئب" قال: فَضَالَّةُ الإبل؟ قال: "مالك ولها، معها سِقَاؤُهَا وحِذَاؤُها، تَرِد الماءَ وتأكل الشجر، حتى يلقاها رَبُّهَا" متفق عليه.
[المفردات]
زيد بن خالد: هو أبو عبد الرحمن ويقال أبو طلحة زبد بن خالد الجهنى ﵁ قال أبو عمر: كان صاحب لواء جهينة عام الفتح. وقد أثر عن بعض الجهنيين أنه قيل له: لماذا نَبُهَ زيد بن خالد فيكم وليس من أسبقكم إسلاما؟ فأجاب: لأنه ما كان يُقَرُّ سَخطٌ للَّه بجواره. قيل توفى سنة ثمان وسبعين وقال ابن سعد: مات فى آخر أيام معاوية ﵄.
جاء رجل: هذا الرجل هو سويد الجهنى ﵁ كما استظهر ذلك الحافظ ابن حجر فى الفتح وهو أعرابى من جهينة وهو والد عقبة بن سويد الجهنى.
عفاصها: العفاص بكسر العين وتخفيف الفاء بعدها ألف ثم صاد هو الوعاء الذى تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره قال الحافظ فى الفتح: وقيل له العفاص أخذا
[ ٦ / ١٢٠ ]
من العفص وهو الثنى لأن الوعاء يُثْنَى على ما فيه اهـ.
ووكاءها: الوكاء هو الحبل الذى يشد به الوعاء.
عَرِّفْهَا سنة: أى كرر الإعلان عن وجود لقطة لديك لمدة سنة.
فإن جاء صاحبها: أى إن جاء الذى هى له وعَرَفَهَا فهو أحق بها فأدِّها إليه.
وإلا فشأنك بها: أى وإن لم يجئ صاحبها إلى سنة فاستمتع بها.
قال: فَضَالَّةُ الغنم: أى قال الرجل السائل للنبى ﷺ: ما حكم ضالة الغنم؟ والضالة من الحيوان كاللقطة من غيره وهو ما لم يعرف له صاحب، ويقال له أيضا "الضائع".
هى لك أو لأخيك أو للذئب: أى إن أخذتها صنتها لنفسك أو لصاحبها وإن لم تأخذها أخذها الذئب.
قال: مَالَكَ وَلَهَا: أى اتركها وشأنها فإنها لا تحتاج إلى صيانة.
معها سقاؤها: أى معها كرشها ففيه رطوبة تغنيها أياما.
وحذاؤها: أى خفها فهى تقوى بِأخفاقها على ورود الماء والشجر لتشرب وترعى.
حتى يلقاها ربها: أى حتى يجدها صاحبها.
[ ٦ / ١٢١ ]
[البحث]
جاء فى حديث الباب عن زيد بن خالد هنا "اعرف عفاصها ووكاءها" وجاء فى لفظ لمسلم من طريق بشر بن سعيد عن زيد بن خالد: فاعرف عفاصها ووعاءها وعددها" وفى لفظ للبخارى من حديث أبى بن كعب ﵁ عن النبى ﷺ قال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى بن كعب: "احفظ عددها ووعاءها ووكاءها" وفى لفظ لمسلم من حديث يحيى عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد: ثم عرغها سنة فإن لم يجئ صاحبها كانت وديعة عندك. وقد أورده البخارى أيضا من حديث يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة. يقول يزيد: إن لم تُعتَرَف استنفق بها صاحبها وكانت وديعة عنده. قال يحيى: فهذا الذى لا أدرى أفى حديث رسول اللَّه -ﷺ- هو أم شئ من عنده اهـ وسيأتى النهى عن لقطة الحاج فى الحديث الخامس من أحاديث هذا الباب ان شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يحل لمسلم أن يلتقط لقطة إلا بقصد تعريفها.
٢ - أنه يُعَرِّفُهَا سنة وتكون وديعة عنده.
٣ - أنه يَعْرِفُ عفاصها ووكاءها وعددها إن كانت معدودة.
٤ - أنه إن جاء صاحبها دفعت إليه بعد أن يَعْرِفَ عفاصها.
[ ٦ / ١٢٢ ]
ووكاءها وعددها.
٥ - أنه إن عَرَّفَهَا سنة ولم يجئ صاحبها استنفقها.
٦ - أنه إذا استمتع بها ثم جاء صاحبها أداها له إن كانت موجودة أو أَدى له قيمتها.
٧ - أن ضالة الغنم يجوز أخذها والانتفاع بها فإن جاء صاحبها بعد أكله لها أدى قيمتها له.
٨ - أنه لا يجوز أخذ ضالة الإبل.
[ ٦ / ١٢٣ ]
٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من آوَى ضالةً فهو ضالٌّ ما لم يُعَرِّفْهَا" رواه مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن زيد بن خالد الجهنى ﵁.
آوى ضالة: أى ضَمَّهَا لنفسه بمجرد العثور عليها والضالة هى الضائعة من الحيوان كما أشرت فى مفردات الحديث السابق.
فهو ضال: أى مائل عن الحق حائد عن الصراط المستقيم آثم.
ما لم يُعَرِّفْهَا: أى ما لم يعلن عنها فى الأماكن التى يمكن أن يصل خبرها إلى صاحبها ولمدة سنة
[ ٦ / ١٢٣ ]
كما قيده الحديث السابق.
[البحث]
قوله ﵊: فهو ضال. يشعر أن يكون ذلك وسما له فى دينه وأن التقاط الضالة لقصد التملك يعتبر قدحا فيمن يفعل ذلك ما لم يُعَرِّفْها ويدل لهذا المعنى ما رواه ابن ماجه فى سننه قال: حدثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الطويل عن الحسن عن مُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخيِّر عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ضالة المسلم حَرَقُ النار" قال فى الزوائد: إسناد صحيح ورجاله ثقات اهـ وحَرَقُ النار بفتح الحاء والراء هو لهبها.
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذور من التقاط الضالة لقصد تملكها.
٢ - وجوب حفظ أموال المسلمين.
٣ - حرص الشريعة على صيانة أموال الغائبين.
[ ٦ / ١٢٤ ]
٤ - وعن عِيَاض بن حِمَار ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من وجد لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَىْ عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء" رواه أحمد والأربعة إلا الترمذى، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان.
[ ٦ / ١٢٤ ]
[المفردات]
عِياض بن حمار: هو عياض بن حمار بن أبى حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع المجاشى التميمى سكن البصرة وتوفى ﵁ فى حدود الخمسين.
فَلْيُشْهِدْ ذوى عدل: أى ليثبت التقاطها بشهادة شاهدين عدلين.
لا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ: أى لا يخفيها.
فإن جاء ربها: أى فإن حضر صاحبها.
فهو أحق بها: أى فلتدفع اليه.
وإلا فهو مال اللَّه: أى وإن لم يحضر صاحبها لطلبها جاز للملتقط أن ينتفع بها. وتكون بمنزلة الوديعة عنده.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث عياض بن حمار: من التقط لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوى عدل. أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان به. وزيادة: ثم لا يكتم ولا يغيب فإن جاء صاحبها فهو أحق بها. وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء. ولفظ البيهقى: ثم لا يكتم وليعرف، ورواه الطبرانى وله طرق. وفى الباب عن مالك بن عمير عن أبيه. أخرجه أبو موسى المدينى فى الذيل اهـ.
[ ٦ / ١٢٥ ]
٥ - وعن عبد الرحمن بن عثمان التَّيْمِىِّ ﵁ أن النبى -ﷺ- "نهى عن لقطة الحاج" رواه مسلم.
[المفردات]
عبد الرحمن بن عثمان التيمى: هو عبد الرحمن بن عثمان ابن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة التيمى، أسلم يوم الحديبية وقيل يوم الفتح وقد قتل مع عبد اللَّه بن الزبير سنة ثلاث وسبعين ودفن بالحزورة.
نهى عن لقطة الحاج: يعنى منع -ﷺ- من التقاط لقطة الحاج لقصد التملك قال النووى: قوله: نهى عن لقطة الحاج يعنى عن التقاطها للتملك وأما التقاطها للحفظ فقط فلا منع منه اهـ
[البحث]
جاء فى حديث أبى هريرة عند البخارى ومسلم قال: لما فتح اللَّه على رسوله -ﷺ- مكة قام رسول اللَّه -ﷺ- فى الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "أن اللَّه حبس عن مكة الفيل. الحديث. وفيه: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" أى ولا يحل ولا يجوز التقاط لقطة مكة إلا لمعرف لها لا لتملكها بل للعمل على إرجاعها إلى أهلها. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى
[ ٦ / ١٢٦ ]
اللَّه عنهما أن النبى -ﷺ- قال: "إن اللَّه حرم مكة. الحديث. وفيه: ولا تلتقط لقطتها إلا لمعَرِّف. وقد أشار فى المرقاة إلى الفرق بين لقطة مكة ولقطة غيرها بأن الحجاج لا يلبثون مجتمين إلا أياما معدودة ثم يتفرقون فلا يكون للتعريف بعد تفرقهم فائدة. فيحتمل أن يكون المراد النهى عن أخذ لقطتها مطلقا لتترك مكانها وتعرف بالنداء عليها لأن ذلك أقرب طريق إلى ظهور صاحبها. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا ينبغى التقاط لقطة الحاج.
٢ - الحض على توفير أسباب طمأنينة الحجاج على أموالهم.
[ ٦ / ١٢٧ ]
٦ - وعن المقدام بن مَعْدِيكَرِبَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألَا لا يحل ذُو نَابٍ من السِّباع، ولا الحمار الأهلى، ولا اللقطة من مال مُعَاهَدٍ إلا أن يستغنى عنها" رواه أبو داود.
[ما يفيده الحديث]
المقدام بن معديكرب: هو المقدام بن معديكرب بن عمرو بن يزيد بن معديكرب أبو كريمة وقيل أبو يحيى الكندى صحابى مشهور غزا مع رسول اللَّه -ﷺ- خيبر ونزل الشام وقد اختلف فى سنة وفاته فقيل سنة ثلاث وثمانين وقيل: فى سنة ست وثمانين وقيل فى
[ ٦ / ١٢٧ ]
سنة سبع وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة.
لا يحل ذو ناب من السباع: أى لا يجوز أكل لحم كل ذى ناب من السباع وهو ما يفترس بنابه كالأسد والذئب ونحوهما.
ولا الحمار الأهلى: أى الحمار المستأنس الذى ليس بوحشى.
معاهد: وهو من بينه وبين المسلمين عقد أمان وذمة.
إلا أن يستغنى عنها: أى إلا أن يتجاوز عن حقه فيها ويتنازل له عنها.
[البحث]
تحريم كل ذى ناب من السباع وكذلك الحمار الأهلى قد رواه البخارى ومسلم من حديث أبى ثعلبة الخشنى أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع كما روى البخارى ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، كما أنه لا نزاع عند أهل العلم فى وجوب صيانة مال المعاهد. وحديث الباب قد رواه أبو داود فى سننه فقال: حدثنا محمد بن المصفى ثنا محمد بن حرب عن الزبيدى عن مروان بن روبة التغلبى عن عبد الرحمن بن أبى عوف عن المقدام ابن معديكرب عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: ألا لا يحل ذو ناب. الحديث.
[ ٦ / ١٢٨ ]