[ ٢ / ٢٤٥ ]
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: خرج النبى ﷺ متواضعا متبذلا متخشعا مترسلا متضرعا فصلى ركعتين كما يصلى فى العيد لم يخطب خطبتكم هذه. رواه الخمسة وصححه الترمذى وأبو عوانة وابن حبان.
[المفردات]
الاستسقاء: أى طلب السقاية. من اللَّه ﷿ عند حدوث الجدب والقحط والجفاف.
خرج النبى -ﷺ-: أى إلى صلاة الاستسقاء.
متواضعا: أى منكسرا للَّه ﷿.
متبذلا: أى تاركا التزين والتهيؤ بالثياب الجميلة فالتبذل هو لبس ثياب البذلة وهى العمل دون ثياب الزينة.
متخشعا: خاشيا خاضعا متذللا للَّه ﷿.
مترسلا: أى متأنيا فى مشيته.
متضرعا: أى مبالغا فى سؤال اللَّه ﷿ والرغبة فيما عند اللَّه من الخير.
أبو عوانة: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابورى الاسفراينى توفى سنة ست عشرة وثلثمائة هجرية.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
[البحث]
قال الحافظ فى التلخيص: حديث ابن عباس أن النبى ﷺ خرج إلى المصلى متبذلا فصلى ركعتين كما يصلى العيد. أحمد وأصحاب السنن وأبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطنى والبيهقى كلهم من حديث هشام بن إسحاق بن كنانة عن أبيه عن ابن عباس به وأتم منه يزيد بعضهم على بعض اهـ ويفهم من كلام الحافظ هنا أن المراد بأبيه هو إسحاق بن كنانة مع أنه فى أبى داود عن طريق حاتم ابن اسماعيل ثنا هشام بن إسحاق عن عبد اللَّه بن كنانة قال: أخبرنى أبى. . الخ وهشام هو ابن إسحاق بن عبد اللَّه ابن الحارث بن كنانة فعبد اللَّه بن كنانة هو جد هشام وشيخه فى هذا السند وهشام مقبول وقوله فى أبى داود: أخبرنى يحتمل أن يراد به كنانة أو أن يراد به الحارث بن كنانة. لكن قال الحافظ فى التقريب: عبد اللَّه بن كنانة عن أبيه عن ابن عباس فى الاستسقاء صوابه: إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة. وقال فى تهذيب التهذيب: إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث بن كنانة العامرى مولاهم ويقال الثقفى وقد ينسب إلى جده ثم قال: وروى عن أبى هريرة وابن عباس مرسلا فيما قال أبو حاتم ثم قال: وذكره ابن حبان فى الثقات فى التابعين فقال: إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة وصحح حديثه. وقبله أبو عوانة. وأخرج ابن خزيمة فى صحيحه حديثه قال: أرسلنى أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء اهـ وقد جاء فى أبى داود بعد السند الذى سقته عنه هنا قال: أرسلنى الوليد بن عتبة أو عقبة وكان أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول اللَّه ﷺ فى
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الاستسفاء. . الخ، أما الترمذى فقد قال: حدثنا قتيبة نا حاتم بن إِسماعيل عن هشام بن إسحاق وهو ابن عبد اللَّه بن كنانة عن أبيه قال أرسلنى الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول اللَّه ﷺ فأتيته فقال: إن رسول اللَّه ﷺ خرج متبذلا. . الحديث. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح اهـ وحاتم بن اسماعيل صدوق يهم، وما يدل عليه هذا الحديث من هيئة رسول اللَّه ﷺ عند خروجه إلى المصلى أمر مستقر ثابت كما أن صلاة ركعتين فى الاستسقاء قد ثبت فى الصحيحين. وأما قوله: لم يخطب خطبتكم هذه" فليس فيه نفى الخطبة فى صلاة الاستسقاء مطلقا بل المنفى خطبة مشار اليها معينة لا مطلق الخطبة علما بأنه قد ورد فى لفظ أبى داود فى هذا الحديث "فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول اللَّه ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد اللَّه ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم اللَّه أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد للَّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا اللَّه يفعل ما يريد: اللهم أنت اللَّه لا إله إلا أنت أنت الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين. ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئى بياض إبطيه، ثم
[ ٢ / ٢٤٧ ]
حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت. رواه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد. وقصة التحويل فى الصحيح من حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁ وفيه: "فتوجه إلى القبلة يدعو ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وللدارقطنى من مرسل أبى جعفر الباقر ﵁ "وحول رداءه ليتحول القحط".
[المفردات]
قحوط المطر: أى احتباسه وانقطاعه.
فخرج حين بدا حاجب الشمس: أى فخرج من بيته متجها إلى المصلى حين ظهر طرف قرص الشمس.
جدب دياركم: الجدب هو المحل وهلاك النبات من قلة المطر.
الغيث: أى المطر.
وبلاغا: البلاغ هو ما يتبلغ به الانسان ويتوصل به إلى مطلوبه.
فأنشأ اللَّه سحابة: أى أحدث اللَّه سحابة.
وقصة التحويل فى الصحيح: أى وقصة تحويل النبى -ﷺ- رداءه فى الاستسقاء فى صحيح البخارى بل هى فى الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن زيد سوى قوله: جهر فيهما بالقراءة فهى فى البخارى وحده.
عبد اللَّه بن زيد: هو عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنى الأنصارى الخزرجى وهو غير عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الحارثى الأنصارى الخزرجى راوى حديث الأذان قال البخارى فى صحيحه: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان ولكنه وهم.
وفيه: أى فى حديث عبد اللَّه بن زيد عند البخارى.
أبو جعفر الباقر: هو محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين ابن على ابن أبى طالب ﵃ سمع جابر بن عبد اللَّه ﵄ وقد ولد سنة ست وخمسين ومات سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة، قيل إنما قيل له الباقر لأنه بقر العلم أى توسع فيه ﵀.
[البحث]
قد صحت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يخرج إلى الاستسقاء وأنه كان يصلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وأنه كان يذكر أصحابه ﵃ ويعظهم وأنه كان يحول رداء ويستقبل القبلة ويدعو ويرفع يديه فقد روى البخارى ومسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه قال: خرج النبى ﷺ يستسقى وحول رداءه. وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث عباد بن تميم عن عمه عبد اللَّه بن زيد أن النبى ﷺ خرج إلى المصلى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين قال أبو عبد اللَّه: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان ولكنه وهم لأن هذا عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنى مازن الأنصار. وفى لفظ للبخارى من حديث عباد بن تميم عن عمه قال: خرج النبى ﷺ يستسقى فتوجه
[ ٢ / ٢٤٩ ]
إلى القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة. وفى لفظ للبخارى من حديث عباد بن تميم عن عمه أن النبى ﷺ استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث عباد بن تميم أن عبد اللَّه بن زيد الأنصارى أخبره أن النبى ﷺ خرج إلى المصلى يصلى، وأنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه. كما روى البخارى ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: كان النبى ﷺ لا يرفع يديه فى شئ من دعائه إلا فى الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. ومعنى لا يرفع يديه فى شئ من الدعاء يعنى رفعا بليغا فقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ رفع اليدين فى غير الاستسقاء لكنه فى الاستسقاء كان يبالغ فى رفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. وفى رواية لمسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبى هريرة ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يوما يستسقى فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا اللَّه وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وقد تفرد به النعمان بن راشد وهو من رجال مسلم. وقال فى الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات اهـ.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
٣ - وعن أنس ﵁ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبى ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول اللَّه
[ ٢ / ٢٥٠ ]
هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع اللَّه ﷿ يغيثنا، فرفع يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. فذكر الحديث وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه.
[المفردات]
أن رجلا: قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على تسميته فى حديث أنس.
دخل المسجد يوم الجمعة: أى من باب كان نحو دار القضاء كما جاء فى أصل هذا الحديث عند الشيخين.
الأموال: أى المواشى.
وانقطعت السبل: أى صارت الطرق خالية من الابل لضعفها بسبب قلة القوت عن السفر أو لأنها لا تجد فى طريقها من الكلأ ما يقيم أودها أو لنفاد الطعام فلا يوجد ما يجلب للأسواق.
يغيثنا: أى يسقينا المطر.
فذكر الحديث: أى فأتم الحديث.
وفيه الدعاء بإمساكها: أى وفى بقية الحديث الدعاء بإمساك المطر.
[البحث]
تمام هذا الحديث عند البخارى ومسلم: اللهم أغثنا قال أنس: ولا واللَّه ما نرى فى السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا واللَّه ما رأينا الشمس
[ ٢ / ٢٥١ ]
سبتا، ثم دخل رجل من ذلك الباب فى الجمعة ورسول اللَّه ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع اللَّه يمسكها عنا قال: فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال: فأقلعت وخرجنا نمشى فى الشمس. قال شريك: فسألت أنسا: أهو الرجل الأول؟ قال لا أدرى. ومعنى قوله فى تمام الحديث: هلكت الأموال أى تلفت بسبب كثرة المياه ومعنى قوله: وانقطعت السبل: أى صار السير فيها منعدما لامتلائها بالمياه.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الاقتصار على الدعاء والاستسقاء فى خطبة الجمعة أحيانا.
٢ - جواز الشكوى إلى الإمام الصالح من القحط ليدعو اللَّه بسقيا المسلمين.
٣ - جواز الدعاء بتحويل الأمطار عن الجهات التى تتضرر بها.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
٤ - وعنه ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا نستسقى إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. رواه البخارى.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أنس ﵁.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
قحطوا: أى أصابهم القحط والجدب وتأخير المطر.
استسقى بالعباس: أى طلب من اللَّه تعالى أن يسقيهم بدعاء العباس ﵁.
نستسقى إليك بنبينا: أى نطلب إليك أن تسقينا بدعاء نبينا ﷺ كما مر فى الحديث السابق.
نتوسل إليك بعم نبينا: أصل الوسيلة الحاجة وتطلق على القربة وما يتوصل يه إلى تحصيل المقصود وهى كذلك علم على أعلى منزلة فى الجنة وهى منزلة رسول اللَّه ﷺ وداره فى الجنة وهى أقرب أمكنة الجنة إلى العرش وعلى المعنى الأول والثانى حمل قوله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أى واطلبوا منه وحده حوائجكم ولا تطلبوها من غيره، وأديموا التقرب اليه، ومعنى نتوسل اليك بعم نبينا أى نقدمه بين أيدينا يضرع إليك ويدعوك لتسقينا كما كنا نفعل أيام رسول اللَّه ﷺ عندما نسأله أن يدعوك لتسقينا.
فيسقون: أى فيغيثهم اللَّه بالمطر.
[البحث]
يرشد هذا الحديث إلى أنه ينبغى للإمام إذا أصاب الناس قحط أن يخرجوا للاستسقاء وأن يستصحبوا أهل الخير المعروفين بالصلاح ليقدموهم فى الدعاء والضراعة إلى اللَّه ﷿ أن يسقيهم وأن هذا
[ ٢ / ٢٥٣ ]
النوع توسل مشروع وقد ذكر الحافظ ابن حجر فى فتح البارى صفة ما دعا به العباس ﵁ فى هذا الاستسقاء فقال: وقد بين الزبير بن بكار فى الأنساب صفة ما دعا به العباس فى هذه الواقعة والوقت الذى وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بى إليك لمكانى من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وأخرج أيضا من طريق داود عن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث، وفيه فخطب الناس عمر فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول اللَّه ﷺ فى عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى اللَّه. وفى هذا كله دليل على أنه لا يتوسل إلى اللَّه تعالى بذوات الأشخاص ولا بمن فارق الدنيا منهم، إذ لو كان التوسل بمن فارق الدنيا جائزا لتوسل عمر برسول اللَّه -ﷺ- ولم يتوسل بالعباس ﵁. وقد علمنا أن العباس كان يدعو اللَّه تعالى لهم فيسقون. والتوسل إلى اللَّه ﵎ أنواع منها هذا النوع وهو سؤال الصالحين من الأحياء أن يسألوا اللَّه تعالى كما كان الناس يفعلون أيام رسول اللَّه -ﷺ- وكما فعل عمر ﵁ مع العباس ﵁، ومن التوسل المشروع كذلك أن تقدم بين يدى حاجتك ودعائك الثناء على اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما أرشدت إلى ذلك سورة
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الفاتحة، ومن أنواع الوسيلة الشرعية أن تدعو اللَّه تعالى بعد أن تذكر أرضى عمل تقربت به للَّه ﷿ وعملته لوجهه الكريم، كما فى حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانطبقت عليهم الصخرة فتضرع كل واحد منهم إلى اللَّه تعالى وذكر عملا صالحا وقال: اللهم إن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت عنهم الصخرة وخرجوا يمشون.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
٥ - وعنه ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ مطر قال: فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر وقال: إنه حديث عهد بربه. رواه مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أنس ﵁.
فحسر ثوبه: أى كشفه عن بعض بدنه ليصيبه المطر.
حديث عهد بربه: قال النووى معناه أن المطر رحمة وهى قريبة العهد بخلق اللَّه تعالى لها.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: باب من تمطر فى المطر حتى يتحادر على لحيته ثم أخرج من حديث أنس ﵁ قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول اللَّه ﷺ فبينا رسول اللَّه ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابى فقال يا رسول اللَّه: هلك المال وجاع العيال فادع اللَّه لنا أن يسقينا قال: فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه وما فى
[ ٢ / ٢٥٥ ]
السماء قزعة قال: فثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. الحديث. قال الحافظ فى الفتح فى شرح قوله: باب من تمطر: أى تعرض لوقوع المطر ثم قال: ولعله (يعنى البخارى) أشار إلى ما أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: حسر رسول اللَّه ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر وقال: لأنه حديث عهد بربه. قال العلماء: معناه قريب العهد بتكوين ربه. وكأن المصنف -يعنى البخارى- أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته ﷺ لم يكن اتفاقا وإنما كان قصدا فلذلك ترجم بقوله: من تمطر أى قصد نزول المطر عليه لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف لكنه تمادى فى خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ اهـ. غير أن حديث أنس الذى ساقه المصنف هنا أشار إلى أنه حسر عن ثوبه مما يدل على أنه كشف من جسمه بعض ما يغطيه الثوب كالكتف ونحوه. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب التعرض للمطر استجلابا لرحمة اللَّه تعالى.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
٦ - وعن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا. أخرجاه.
[المفردات]
صيبا: أى اجعله صيبا أى مطرا وقيل الصيب السحاب.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
نافعا: أى غير ضار لأن بعض المطر يضر وبعضه ينفع إذ أن من المطر ما يغرق ومنه ما يسقى ويورق.
أخرجاه: أى البخارى ومسلم.
[البحث]
هذا الحديث مختصر وقد أخرجه مسلم تاما من حديث عائشة ﵂ ولفظه قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك فى وجهه وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سرَّ به وذهب عنه ذلك قالت عائشة فسألته فقال: إنى خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتى ويقول: إذا رأى المطر: رحمة. واللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو لفظ البخارى ﵀.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الضراعة إلى اللَّه ﷿ عند نزول المطر أن يجعله مطر رحمة لا مطر عذاب ولا هدم ولا غرق.
٢ - استحباب العناية بأمره عامة المسلمين.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
٧ - وعن سعد ﵁ أن النبى ﷺ دعا فى الاستسقاء "اللهم جللنا سحابا كثيفا قصيفا دلوقا ضحوكا تمطرنا منه رذاذا قطقطا سجلا يا ذا الجلال والإكرام" رواه أبو عوانة فى صحيحه.
[المفردات]
جللنا: أى عمم أرضنا من التجليل أى تعميم الأرض.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
كثيفا: أى متكاثفا متراكبا.
قصيفا: أى ذا رعد شديد الصوت.
دلوقا: أى مندفعا شديد الانصباب.
ضحوكا: أى ذا برق.
رذاذا: أى دون الطش.
قطقطا: القطقط هو أصغر المطر قال أبو زيد: القطقط: أصغر المطر ثم الرذاذ وهو فوق القطقط ثم الطش وهو فوق الرذاذ.
سجلا: السجل: الصب المتواصل.
[البحث]
أشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أن هذا الحديث سنده واه فقال: وعن محمد بن إسحاق حدثنى الزهرى عن عائشة بنت سعد أن أباها حدثها أن النبى ﷺ نزل واديا دهشا لا ماء فيه فذكر الحديث وفيه ألفاظ غريبة كثيرة أخرجه أبو عوانة بسند واهى: وعن عامر بن خارجة بن سعد عن جده أن قوما شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ قحط المطر فقال: اجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب قال: ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم. رواه أبو عوانة وفى سنده اختلاف اهـ.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
٨ - وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: خرج سليمان ﵇ يستسقى فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم
[ ٢ / ٢٥٨ ]
بدعوة غيركم. رواه أحمد وصححه الحاكم.
[المفردات]
مستلقية على ظهرها: أى منطرحة على قفاها.
قوائمها: أى أرجلها التى تقوم عليها وهى بمثابة يدى الإنسان.
[البحث]
ذكر الحافظ فى التلخيص أن الدارقطنى والحاكم أخرجا من حديث أبى هريرة ﵁ رفعه قال: خرج نبى من الأنبياء يستسقى فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة. قال: وفى لفظ لأحمد: خرج سليمان ﵊ يستسقى -الحديث- ورواه الطحاوى من طرق: منها من حديث أبى الصديق الناجى قال: خرج سليمان ﵊ فذكره وفى آخره: ارجعوا فقد كفيتم بغيركم. اهـ.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
٩ - وعن أنس ﵁ أن النبى ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
[المفردات]
استسقى: أى سأل اللَّه السقيا.
فأشار بظهر كفيه إلى السماء: أى رفع يديه وجعل راحتيهما إلى جهة الأرض وظهر كفيه إلى جهة السماء.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
[البحث]
فهم كثير من أهل العلم أن قلب الكفين عند دعاء الاستسقاء إنما هو تفاؤل بتحويل الحال من العسر إلى اليسر كما فهم ذلك من تحويل الرداء وقلبه عند دعاء الاستسقاء لكن جماعة من أهل العلم ذكروا أن الدعاء إذا كان لدفع بلاء واستعاذة من شر كان بظهر الكفين وإن كان على خلاف ذلك كان بباطن الكفين. قال الحافظ فى الفتح: قال العلماء: السنة فى كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهر كفيه إلى السماء وإذا دعا بحصول شئ أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء اهـ. وليس فى هذا الحديث دلالة على أن رسول اللَّه ﷺ كان يستمر فى طول دعاء الاستسقاء وهو جاعل ظهر كفيه إلى السماء بل قد يشير الحديث إلى أنه ربما كان يفعل ذلك أثناء دعاء الاستسقاء فقط بدليل قوله: فأشار لأن هذه الإشارة لا تفهم الاستمرار فى ذلك، ولم يصح خبر عن رسول اللَّه ﷺ بتحديد أدعية تقلب فيها الكف وأدعية. لا تقلب فيها. والعلم عند اللَّه ﷿.
[ ٢ / ٢٦٠ ]