[ ٢ / ٢٣٣ ]
١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول اللَّه ﷺ: إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا اللَّه وصلوا حتى تنكشف" متفق عليه. وفى رواية للبخارى: حتى تنجلى. وللبخارى من حديث أبى بكرة ﵁: فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم.
[المفردات]
الكسوف: هو فى اللغة التغير إلى سواد ومنه كسف وجهه وحاله وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها ويقال: كسفت الشمس بفتح الكاف وانكسفت بمعنى واحد. ويقال فى القمر كذلك كما يقال فيهما: خسفا، وانخسفا. وإن كان الكسوف يطلق على الشمس أكثر من إطلاقه على القمر حتى ظن بعض الناس أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر وليس كذلك فقد ورد فى الحديث الصحيح ما يدل على استعمال اللفظين فى الشمس والقمر.
يوم مات إبراهيم: يعنى: ابن النبى ﷺ
[ ٢ / ٢٣٣ ]
من مارية ﵂.
آيتان من آيات اللَّه: أى علامتان من علامات اللَّه التى نصبها للدلالة على وحدانيته وقدرته وعلى تخويف عباده من بأسه وعذابه.
لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته: أى لا ينكسفان بسبب موت أحد أو حياة أحد، كما كان يعتقد ذلك بعض أهل الجاهلية.
تنكشف: أى تنجلى.
وفى رواية للبخارى: أى من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
حتى يكشف ما بكم: أى حتى تنجلى الشمس أو القمر. ولفظ البخارى من حديث أبى بكرة ﵁: حتى ينكشف ما بكم.
[البحث]
هذا الحديث من الأحاديث النبوية العظيمة التى جاءت لتضع الأمور فى نصابها ولتبعد الانسانية عن الأساطير والخرافات، ولتصحح معتقدات الناس فى الكون وما يجرى فيه، وإبطال دعوى بعض الفلاسفة والباطنية من تأثير الكواكب السماوية فى الأمور الأرضية. وليس فى قوله ﷺ "يخوف اللَّه بهما عباده" كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيحين عن رسول اللَّه ﷺ ما يتعارض مع ما يدعيه بعض المشتغلين بحساب التقويم الفلكى من معرفة ساعة الكسوف قبل مجيئها، والذى يقع كثيرا على ما يخبرون به لأن تخويف اللَّه ﷿ بهما عباده
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لا يقتصر على من جهل وقت حدوثهما لأن المؤمن يعتقد أن كل حركة أو سكون إنما هى بتدبير العزيز الحكيم الذى يقدر على ألا يجلى الشمس بعد انكسافها فيحدث للمؤمن الخوف عند حدوث مثل هذه الأمور. وقد أرشد رسول اللَّه ﷺ أمته إلى الدعاء والصلاة عند حدوث الكسوف. وقال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ فى المجلد الرابع والعشرين من مجموع الفتاوى ص ٢٥٤: الحمد للَّه. الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر وذلك ما أجرى اللَّه تعالى عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات اللَّه تعالى ثم قال: وكما أن العادة التى أجراها اللَّه تعالى: أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين من الشهر أو ليلة إحدى وثلاثين وأن الشهر لا يكون إلا ثلاثين أو تسعة وعشرين فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل فهو غالط، وكذلك أجرى اللَّه العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ثم قال: والعلم بوقت الكسوف الخسوف وإن كان ممكنا لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالما بذلك وقد لا يكون. وقد يكون ثقة فى خبره وقد لا يكون. وخبر المجهول الذى لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف. ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره، ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعى فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك، وإذا جوز الإنسان صدق الخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يصلى الكسوف والخسوف عند ذلك
[ ٢ / ٢٣٥ ]
واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة اللَّه تعالى وعبادته فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين وقد تواترت بها السنن عن النبى ﷺ ورواها أهل الصحاح والسنن والمسانيد من وجوه كثيرة اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية صلاة الكسوف عند حدوثه.
٢ - استحباب كثرة الدعاء عند الكسوف.
٣ - أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
٢ - وعن عائشة ﵂ أن النبى ﷺ جهر فى صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات فى ركعتين وأربع سجدات. متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفى رواية له: فبعث مناديا ينادى "الصلاة جامعة".
[المفردات]
جهر: أى رفع صوته بالقراءة كقراءته فى صلاة الصبح.
أربع ركعات فى ركعتين: أى أربع ركوعات فى الركعتين يعنى فى كل ركعة يركع ركوعين.
وأربع سجدات: أى وسجد فى الركعتين أربع سجدات فيكون فى كل ركعة سجدتان كالمعتاد فى عموم الصلوات.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وفى رواية له: أى وفى رواية لمسلم من حديث عائشة ﵂.
فبعث مناديا ينادى: أى فأرسل شخصا ينادى الناس ويدعوهم للصلاة.
الصلاة جامعة: أى إن الصلاة تجمع الناس فى مسجد الجامع. ويجوز نصب الصلاة على الإغراء وجامعة على الحال.
[البحث]
لفظ هذا الحديث عند مسلم عن عائشة ﵂ أن النبى ﷺ جهر فى صلاة الكسوف. . الخ ولفظ البخارى عن عائشة ﵂: جهر النبى ﷺ فى صلاة الخسوف بقراءته. وبقية لفظ الحديث كما ساقه عن مسلم. أما قول المصنف: وفى رواية له: فبعث مناديا ينادى: فليس هذا لفظ مسلم عن عائشة بل لفظه: فبعث مناديا: الصلاة جامعة فاجتمعوا. الحديث. وقد أخرج البخارى أيضا من حديث عائشة ﵂: فبعث مناديا الصلاة جامعة. وبهذا يتبين أنها ليست من أفراد مسلم بل اتفق البخارى معه عليها. وقد ثبتت هذه اللفظة فى صحيح البخارى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ نودى أن الصلاة جامعة.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن السنة فى صلاة الكسوف أن تكون ركعتين فى كل
[ ٢ / ٢٣٧ ]
ركعة وركوعان.
٢ - مشروعية الجهر بالقراءة فى صلاة الكسوف.
٣ - مشروعية النداء لصلاة الكسوف بقوله: الصلاة جامعة.
٤ - أنه لا أذان لها ولا إقامة.
٥ - أن صلاة الكسوف تؤدى جماعة.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: انخسفت الشمس على عهد النبى ﷺ فصلى فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس. متفق عليه. واللفظ للبخارى وفى رواية لمسلم: صلى حين كسفت الشمس ثمانى ركعات فى أربع سجدات. وعن على ﵁ مثل ذلك وله عن جابر ﵁: صلى ست ركعات بأربع سجدات. ولأبى داود عن أبى بن كعب ﵁: صلى فركع خمس ركعات وسجد سجدتين وفعل فى الثانية مثل ذلك.
[المفردات]
نحوا من قراءة سورة البقرة: أى قريبا من مقدار قراءة سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
ثم انصرف: أى سلم من صلاة ركعتى الكسوف.
تجلت الشمس: أى انكشفت وذهب كسوفها.
وفى رواية لمسلم: أى من حديث ابن عباس ﵄.
ثمانى ركعات: أى ثمانى ركوعات فى أربع سجدات أى فى ركعتين.
وعن على مثل ذلك: أى وذكر مسلم عن على مثل رواية مسلم هذه عن ابن عباس فقال: وعن على مثل ذلك.
وله عن جابر: أى ولمسلم عن جابر ﵁ وله أيضا عن عائشة مثله.
فركع خمس ركعات: أى خمس ركوعات فى ركعة واحدة.
[البحث]
حديث ابن عباس ﵄ المتفق عليه أفاد أنه ﷺ صلى فى الكسوف ركعتين فى كل ركعة ركوعان كما ثبت ذلك فى حديث عائشة المتفق عليه المتقدم. وكما ثبت عن جابر ﵄ عند البخارى ومسلم كذلك، وكما ثبت عن أبى بكرة ﵁ عند البخارى، وقد أفادت رواية مسلم الأخرى عن ابن عباس وعلى ﵃ أنه صلى ركعتين فى كل ركعة أربع ركوعات ولفظه عند مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات فى أربع سجدات وعن على مثل ذلك. وفى لفظ لمسلم عن ابن عباس: عن النبى ﷺ أنه صلى فى كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد والأخرى مثلها. كما أفادت رواية مسلم الأخرى عن جابر ﵁ أن النبى ﷺ صلى فى الكسوف ركعتين فى كل ركعة ثلاث ركوعات ولفظة عن جابر ﵁ قال: انكسفت الشمس فى عهد رسول اللَّه ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول اللَّه -ﷺ- فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم فقام النبى ﷺ فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات الحديث، كما روى مسلم عن عائشة ﵂ أنها روت كذلك أن رسول اللَّه ﷺ صلى فى الكسوف ركعتين فى كل ركعة ثلاث ركوعات مثل حديث جابر ولفظها ﵂ أن نبى اللَّه ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات، أما رواية أبى داود عن أبى بن كعب التى أفادت أن فى كل ركعة من ركعتى الكسوف خمس ركوعات فإنها من رواية أحمد بن الفرات بن خالد أبى مسعود الرازى قال: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن أبى جعفر الرازى عن أبيه عن أبى جعفر الرازى قال أبو داود: حدثت عن عمر بن شقيق ثنا أبو جعفر الرازى وهذا لفظه وهو أتم عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ وأن النبى ﷺ صلى بهم فقرأ بسورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. وأحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود الرازى قال الحافظ فى التقريب: وأشار إلى أنه لم يخرج له سوى أبو داود من أصحاب الكتب الستة تكلم فيه بلا مستند. ومحمد بن عبد اللَّه أبى جعفر الرازى صدوق ولم يخرج
[ ٢ / ٢٤٠ ]
له سوى أبى داود من الستة. وعبد اللَّه بن أبى جعفر الرازى صدوق يخطئ ولم يخرج له سوى أبى داود من الستة، وأبو جعفر الرازى صدوق سئ الحفظ، وعمر بن شقيق مقبول ولم يرو له أحد من الستة سوى أبى داود، والربيع بن أنس صدوق له أوهام ورمى بالتشيع.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يسن طول القراءة فى كل ركعة من ركعتى صلاة الكسوف.
٢ - وأنه يستحب أن تكون القراءة بعد تكبيرة الإحرام أطول من القراءة بعد الركوع الأول من الركعة الأولى.
٣ - وأنه يستحب أن تكون القراءة بعد القيام إلى الركعة الثانية أخف قليلا من القراءة بعد الركوع الأول من الركعة الأولى وأن تكون القراءة بعد الركوع الأول من الركعة الثانية أخف من القراءة التى قبلها.
٤ - ويستحب إطالة الركوع الأول وأن يكون كل ركوع أخف مما قبله.
٥ - وأنه تشرع الخطبة بعد صلاة الكسوف.
٦ - وأنه يتأكد فى كل ركعة من ركعتى صلاة الكسوف ركوعان فقط.
٧ - وإن أتى فى كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع ركوعات فلا بأس بذلك على ألا يكون ذلك دائما.
[ ٢ / ٢٤١ ]
٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: ما هبت الريح
[ ٢ / ٢٤١ ]
قط إلا جثا النبى ﷺ على ركبتيه وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا. رواه الشافعى والطبرانى.
[المفردات]
جثا النبى -ﷺ- على ركبتيه: أى جلس على ركبتيه مع انتصاب أطراف أصابعه.
اجعلها: أى صير هذه الريح.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث ابن عباس: ما هبت ريح قط إلا جثا النبى ﷺ على ركبتيه وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا. اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. الشافعى فى الأم أخبرنى من لا أتهم عن العلاء بن راشد عن عكرمة عنه به وأتم منه وأخرجه الطبرانى وأبو يعلى من طريق حسين بن قيس عن عكرمة اهـ. وحسين بن قيس متروك. هذا وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يتغير وجهه إذا هاجت الريح فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث أنس ﵁ أنه قال: كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك فى وجه النبى ﷺ. كما روى مسلم فى صحيحه من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين ﵄ قالت: كان النبى ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا مطرت
[ ٢ / ٢٤٢ ]
سرى عنه فعرفت ذلك فى وجهه قالت عائشة: فسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
٥ - وعنه ﵁ أنه ﷺ صلى فى زلزلة ست ركعات وأربع سجدات. وقال: هكذا صلاة الآيات. رواه البيهقى وذكر الشافعى عن على ﵁ مثله دون آخره.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عباس ﵄.
أنه: أى أن رسول اللَّه -ﷺ-.
زلزلة: أصل الزلزلة الحركة والاضطراب والمراد اضطراب فى ناحية من الأرض تتحرك الأرض له وتهتز.
ست ركعات وأربع سجدات: أى ست ركوعات فى ركعتين فى كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان.
دون آخره: أى لم يقل فيه: "هكذا صلاة الآيات".
[البحث]
قال الحافظ فى التلخيص: قال الشافعى: لا نعلم أن رسول اللَّه ﷺ أمر بالصلاة عند شئ من الآيات ولا أحد من خلفائه غير الكسوفين ثم قال الحافظ ﵀: عن الشافعى أنه قال: روى عن على أنه صلى فى زلزلة جماعة ثم قال: إن صح قلت به. قال الحافظ: البيهقى فى السنن والمعرفة بسنده
[ ٢ / ٢٤٣ ]
إلى الشافعى فيما بلغه عن عباد عن عاصم الأحول عن قزعة عن على أنه صلى فى زلزلة ست ركعات فى أربع سجدات خمس ركعات وسجدتين فى ركعة وركعة وسجدتين فى ركعة قال الشافعى: ولو ثبت هذا عن على لقلت به اهـ.
[ ٢ / ٢٤٤ ]