[ ٣ / ١٨٢ ]
١ - عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه" متفق عليه.
[المفردات]
الصيام: هو لغة الإمساك يقال: صام عن الكلام إذا أمسك عنه، ومنه قوله تعالى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أى إمساكا عن الكلام ويقال صامت الخيل إذا أمسكت عن الأكل ومنه قول الشاعر
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أما الصيام شرعا فهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات نهارا بنية القربة للَّه تعالى.
لا تقدموا رمضان: أى لا تتقدموا بصيام يوم أو يومين قبل رمضان بقصد الاحتياط لرمضان لأن صومه مرتبط بالرؤية أو بإكمال شعبان ثلاثين.
إلا رجل: إلا أن يوجد رجل ولفظ البخارى:
[ ٣ / ١٨٢ ]
إلا أن يكون رجل" ويكون هنا تامة بمعنى يوجد.
كان يصوم صوما فليصمه: أى كان له ورد من صيام فوافق ورده ذلك الوقت فلا بأس عليه ما دام لا يقصد صيام احتياط لرمضان.
[البحث]
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو لفظ مسلم أما لفظ البخارى من حديث أبى هريرة ﵁ عن النبى عن -ﷺ- قال: "لا يتقدمن أحدكم رمصان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصم ذلك اليوم. وفى بعض نسخ البخارى: كان يصوم صومه" وإنما نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين دفعا لوسوسة الشيطان وحيله وتلبيسه كما فعل ببعض الأمم السابقة حتى صاروا يتقدمون بالصيام قبل الوقت المفروض إلى أن أخرجهم غن الوقت المفروض، ولبس علهم، وصدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه. ولذلك ربطت الشريعة الإسلامية صيام رمضان بأمر ظاهر وهو رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين. صيانة لهذه الشريعة التى لا ينسخها اللَّه حتى ينسخ الليل والنهار والشمس والقمر. ومع ذلك فقد وقع بعض أهل الأهواء فصاروا يتقدمون رمضان بالصيام احتياطا له كما أنهم يؤخرون المغرب حتى تشتبك النجوم احتياطا له فيما زعموا، وصان اللَّه أهل السنة والجماعة من ذلك كله.
[ ٣ / ١٨٣ ]
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين احتياطا له.
٢ - جواز الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين لمن كان له ورد من الصوم وصادف ذلك الوقت.
٣ - يجوز أن يقال رمضان دون إضافة كلمة شهر.
٤ - ينبغى الحذر من تلبيس إبليس لعنه اللَّه وأعاذنا من شره.
[ ٣ / ١٨٤ ]
٢ - وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ. ذكره البخارى تعليقا، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
[المفردات]
اليوم الذى يشك فيه: أى يوم الثلاثين من شعبان الذى عرف باسم يوم الشك، لأنه قد يتسرب إلى الخاطر أنه من رمضان أو من شعبان.
أبا القاسم: هى كنية حبيب اللَّه ورسوله سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ.
تعليقا: أى لم يسقه مسندا موصولا.
ووصله الخمسة: أى وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذى
[ ٣ / ١٨٤ ]
والنسائى وابن ماجه بسند متصل إلى عمار ﵁.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: باب قول النبى ﷺ: إذا رأيتم الهلال فصوموا: وإذا رأيتموه فأفطروا، وقال صلة عن عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ" قال الحافظ فى الفتح: أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة ابن زفر بزاى وفاء -وزن عمر- كوفى عبسى بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم، ووهم ابن حزم وزعم أنه صلة بن أشيم والمعروف أنه ابن زفر، وكذا وقع مصرحا به عند جمع ممن وصل هذا الحديث، وقد وصله أبو داود والترمذى والنسائى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو ابن قيس عن أبى إسحاق عنه، ولفظه عندهم: كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إنى صائم. فقال عمار: من صام يوم الشك، وفى رواية ابن خزيمة وغيره "من صام اليوم الذى يشك فيه" اهـ ثم قال الحافظ: استدل به على تحريم صوم الشك لأن الصحابى لا يقول ذلك من قِبَل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون فى ذلك وخالفهم الجوهرى المالكى فقال: هو موقوف، والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما اهـ هذا
[ ٣ / ١٨٥ ]
ولفظ أبى داود فى سننه قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير ثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبى إسحاق عن صلة قال: كنا عند عمار فى اليوم الذى يشك فيه فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-" ورجال هذا السند كلهم من رجال الشيخين إلا عمرو بن قيس وهو الملائى أبو عبد اللَّه الكوفى فهو من رجال مسلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم صوم يوم الشك.
٢ - أن العبادة لا تصح إلا إذا كانت على منهج رسول اللَّه ﷺ.
٣ - وأن من عبد اللَّه بما يخالف شرع اللَّه فقد عصى رسول اللَّه ﷺ.
[ ٣ / ١٨٦ ]
٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقْدُرُوا له" متفق عليه. ولمسلم فإن أغْمِى عليكم فاقْدُرُوا له ثلاثين" وللبخارى: فأكْمِلُوا العدة ثلاثين" وله فى حديث أبى هريرة: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
[المفردات]
إذا رأيتموه: أى هلال رمضان.
[ ٣ / ١٨٦ ]
وإذا رأيتموه: أى هلال شوال.
فإن غم: أى خفى عليكم بسبب حائل يحول دون رؤيته من غيم أو نحوه.
فاقدروا له: أى فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا وكذلك إذا غم عليكم هلال شوال أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوما ثم أفطروا.
ولمسلم: أى من حديث ابن عمر ﵄.
أغمى عليكم: أى ستر الهلال عنكم بسبب غيم أو نحوه.
وللبخارى: أى من حديث ابن عمر ﵄.
وله: أى وللبخارى ﵀.
[البحث]
هذا الحديث أصل عظيم من أصول تيسير الشريعة ورفع الحرج عن المسلمين، ومع أن الصوم ركن من أركان الإسلام فإن اللَّه تعالى لم يلزم المسلمين بالصوم إلا برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما وهذه لا يختص بمعرفتها قوم دون قوم ولا عصر دون عصر ولا مصر دون مصر، وقد جاء فى حديث ابن عمر المتفق عليه: فإن غم عليكم.
وفى حديثه عند مسلم: فإن أغمى عليكم" وفى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة: فإن أغمى عليكم" وفى لفظ لمسلم عنه: فإن غمِّى عليكم" وكلها تؤدى معنى واحدا، كما أنه جاء فى حديث ابن عمر المتفق عليه "فاقدروا له" وفى لفظ لمسلم: فاقدروا له ثلاثين" وفى
[ ٣ / ١٨٧ ]
لفظ للبخارى: فأكملوا العدة ثلاثين" وفى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وهذه الألفاظ يفسر بعضها بعضا فهى بمعنى واحد، ولذلك لم يجتمع لفظان منها فى رواية واحدة، وكلها تؤكد أن الِإسلام يحارب التنطع، ويرغب فى السهولة واليسر ولذلك كان الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحى الناس على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وكما قال ﷿ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ولقد كان من أسباب انحراف بعض الطوائف عن دين اللَّه هو التنطع، الذى صرفهم عن الدين الحق، وأبعدهم عن المنهج المستقيم. ولذلك كان رسول اللَّه ﷺ يوصى رسله بالتيسير وينهاهم عن التعسير فكان يقول لهم: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا" ﷺ وجزاه عن الإسلام والإِنسانية كلها خيرا.
[ما يفيده الحديث]
١ - ترك التنطع فى دين اللَّه.
٢ - أن صيام رمضان يجب برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يوما.
٣ - وأن الفطر يثبت برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يوما.
[ ٣ / ١٨٨ ]
٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: تراءى الناس الهلال،
[ ٣ / ١٨٨ ]
فأخبرت النبى ﷺ أنى رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
تراءى الناس الهلال: أى تناظروا ليبصروا الهلال ليلة الثلاثين.
رأيته: أى أبصرته.
[البحث]
هذا الحديث رواه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن عبد الرحمن السمرقندى عن مروان هو ابن محمد عن عبد اللَّه بن وهب عن يحيى ابن عبد اللَّه بن سالم عن أبى بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ ورجال هذا السند كلهم ثقات فهو حرى بما أشار إليه المصنف من تصحيح ابن حبان والحاكم له. وقد أشار المصنف فى تلخيص الحبير إلى أنه أخرجه الدارقطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبى بكر بن نافع عن نافع عنه ثم قال الحافظ: وأخرجه الدارقطنى والطبرانى فى الأوسط من طريق طاوس قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول اللَّه ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين قال
[ ٣ / ١٨٩ ]
الدارقطنى: تفرد به حفص بن عمر الأصل وهو ضعيف اهـ قلت: والذى فى سنن الدارقطنى: هو حفص بن عمر الأبلى بالباء الموحدة لا بالياء المثناة وهو حفص بن عمر بن دينار أبو إسماعيل قال فيه الدارقطنى: ضعيف الحديث، ولا نزاع عند أهل العلم فى تضعيف حفص هذا وهناك حفص بن عمر بن ميمون العدنى مختلف فيه، وإن كان الحافظ فى التقريب وتهذيب التهذيب كناه بأبى إسماعيل. والدارقطنى إنما كنى الأول بأبى اسماعيل وقد أشار الحافظ فى تهذيب التهذيب إلى أنه قد فرق بينهما ابن أبى عدى وابن أبى حاتم، وعلى كل حال فالعمدة هو حديث أبى داود الذى ساقه المصنف هنا فى البلوغ.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الاكتفاء بشهادة الواحد العدل فى ثبوت هلال رمضان.
٢ - أن إمام المسلمين هو الذى يجئ الإعلان بالصيام من جهته.
٣ - يستحب للمسلمين أن يتراءوا الهلال ليلة الثلاثين من الشهر.
٤ - ينبغى لمن رآه أن يخبر الإمام أو نائبه برؤيته.
[ ٣ / ١٩٠ ]
٥ - وعن ابن عباس ﵄ أن أعرابيا جاء إلى النبى -ﷺ- فقال: إنى رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: نعم. قال: أشهد أن محمدا رسول اللَّه؟ قال: نعم.
[ ٣ / ١٩٠ ]
قال: فأذن فى الناس يا بلال أن يصوموا غدا" رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائى إرساله.
[المفردات]
أعرابيا: أى بدويا من سكان البادية.
الهلال: أى هلال رمضان.
فأذن: أى فناد وأعلن.
أن يصوموا غدا: أى صبيحة رؤية الهلال.
[البحث]
هذا الحديث أخرجه أيضا الدارقطنى والبيهقى: وهو من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال الترمذى: حديث ابن عباس فيه اختلاف، وأكثر أصحاب سماك يروونه عنه عن عكرمة عن النبى ﷺ مرسلا اهـ وقال المصنف فى تلخيص الحبير: قال الترمذى: روى مرسلا وقال النسائى: إنه أولى بالصواب، وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة اهـ.
[ ٣ / ١٩١ ]
٦ - وعن حفصة أم المؤمنين ﵂ أن النبى -ﷺ- قال: من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الخمسة ومال الترمذى والنسائى إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعا ابن خزيمة وابن حبان، وللدارقطنى: لا صيام لمن لم يفرضه من الليل".
[ ٣ / ١٩١ ]
[المفردات]
من لم يبيت الصيام: أى من لم ينو الصيام.
ترجيح وقفه: أى تأييد وقفه على حفصة ﵂.
وللدارقطنى: أى من حديث حفصة ﵂.
لم يفرضه: أى لم ينوه ولم يعزم عليه.
[البحث]
أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه عن حفصة زوج النبى -ﷺ- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" قال أبو داود: رواه الليث وإسحاق وابن حازم أيضا جميعًا عن عبد اللَّه بن أبى بكر مثله ووقفه على حفصة معمر والزبيدى وابن عيينة ويونس الأيلى كلهم عن الزهرى اهـ وأخرجه الترمذى بنفس لفظ أبى داود من حديث عبد اللَّه بن أبى بكر كذلك وقال: قال أبو عيسى: حديث حفصة لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح اهـ وأخرجه الدارقطنى من حديث عبد اللَّه بن أبى بكر كذلك وبنفس لفظه ثم قال: رفعه عبد اللَّه بن أبى بكر عن الزهرى وهو من الثقات الرفعاء واختلف على الزهرى فى إسناده فرواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه عن حفصة من قولها: وتابعه الزبيدى وعبد الرحمن بن إسحاق عن
[ ٣ / ١٩٢ ]
الزهرى، وقال ابن المبارك: عن معمر وابن عيينة عن الزهرى عن حمزة بن عبد اللَّه عن أبيه عن حفصة، وكذلك قال بشر بن الفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، وكذلك قال إسحاق بن راشد وعبد الرحمن بن خالد عن الزهرى، وغير ابن المبارك يرويه عن ابن عيينة عن الزهرى عن حمزة، واختلف عن ابن عيينة فى إسناده، وكذلك قال ابن وهب عن يونس عن الزهرى، وقال ابن وهب أيضا عن يونس عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر قوله وتابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهرى وقال الليث عن عقيل عن الزهرى عن سالم أن عبد اللَّه وحفصة قالا ذلك، ورواه عبيد اللَّه بن عمر عن الزهرى واختلف عنه اهـ وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: وقال أبو داود: لا يصح رفعه، وقال الترمذى: الموقوف أصح، ونقل فى العلل عن البخارى أنه قال: هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب اهـ والعجيب أن ابن حزم يقول: الاختلاف يزيد الخبر قوة.
[ ٣ / ١٩٣ ]
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخل علىَّ النبى -ﷺ- ذات يوم فقال: هل عندكم شئ؟ قلنا: لا. قال: فإنى إذًا صائم" ثم أتانا يوما آخر، فقلنا: أهدى لنا حيس، فقال: أرينيه فلقد أصحبت صائما" فأكل. رواه مسلم.
[ ٣ / ١٩٣ ]
[المفردات]
شئ: أى من طعام.
حيس: أصل الحيس الخلط والمراد هنا: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه أو ربما جعل فيه سويق.
أرينيه: أى ناولينى اياه.
أصبحت صائما: أى كنت من أول النهار عازما على الصيام.
[البحث]
هذا الحديث من أبرز الأدلة على أن المتطوع أمير نفسه وأن له أن ينوى الصيام من النهار ما لم يكن قد أكل أو شرب أو عمل ما ينقض الصوم وأن له كذلك أن يفطر حتى ولو كان قد عقد الصيام من الليل، وقد ساق مسلم هذا بلفظين من طريق عائشة بنت طلحة رحمها اللَّه أورد المصنف أحدهما، أما اللفظ الآخر عنها عن عائشة ﵂ قالت: قال لى رسول اللَّه ﷺ ذات يوم يا عائشة هل عندكم شئ؟ قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، ما عندنا شئ، قال: فإنى صائم" قالت فخرج رسول اللَّه -ﷺ- فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور قالت: فلما رجع رسول اللَّه -ﷺ- قلت: يا رسول اللَّه أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئا. قال: ما هو؟ قلت: حيس. قال: هاتيه" فجئت به فأكل ثم قال: قد كنت أصبحت
[ ٣ / ١٩٤ ]
صائما" وقد عنون البخارى فى صحيحه لجواز نية صيام التطوع بالنهار فقال: باب إذا نوى بالنهار صوما، وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا لا، قال: فإنى صائم يومى هذا، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة ﵃ ثم قال البخارى: حدثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبى ﷺ بعث رجلا ينادى فى الناس يوم عاشوراء: أن من أكل فليتم أو فليصم ومن لم يأكل فلا يأكل".
أما نية الصيام فى رمضان فليس هناك حديث صحيح يحتم وجوب عقدها كل ليلة ويكفى لتحقيق قول رسول اللَّه -ﷺ-: "إنما الأعمال بالنيات" أن يهيئ نفسه عند ثبوت هلال رمضان على صيام الشهر ولا يطلب من المسلم أن يتلفظ بالنية بل محلها القلب وعقد العزم على الفعل، والأصل فى المسلم أن يمتثل أوامر اللَّه بالصيام ولا يخرجه عن هذا الأصل إلا أن يبيت عازما على عدم الصيام، أو يتردد. هذا وأما المتطوع بالحج أو العمرة فإنه يجب عليه إتمام ما أهل به لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المتطوع أمير نفسه فى غير الحج.
٢ - أنه يجوز للإنسان أن ينوى الصيام تطوعا من النهار ما دام
[ ٣ / ١٩٥ ]
لم يفعل ما ينقض الصوم.
[ ٣ / ١٩٦ ]
٨ - وعن سهل بن سعد ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه وللترمذى من حديث أبى هريرة ﵁ عن النبى -ﷺ- قال: قال اللَّه ﷿: "أحب عبادى إلىَّ أعجلهم فطرا".
[المفردات]
سهل بن سعد: هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصارى الخزرجى الساعدى يقال: كان اسمه حزنا فسماه النبى -ﷺ- سهلا. له ولأبيه صحبة وتوفى سنة ثمان وثمانين وقيل: بعدها وقد جاوز المائة ﵁.
الناس: أى المسلمون.
ما عجلوا الفطر: أى ما سارعوا إليه عقب غروب الشمس مباشرة فى رمضان.
أعجلهم: أى أسرعهم.
[البحث]
هذا الحديث مثل آخر من أمثلة يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها وبعضها للتنطع الذى أوقع اليهود والنصارى فى تحريف الدين ولذلك
[ ٣ / ١٩٦ ]
أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن فى تعجيل الفطر مخالفة لليهود والنصارى فقد روى أبو داود وابن ماجه بسند صحيح من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون" وقد شابههم بعض أهل البدع فصاروا لا يفطرون فى رمضان حتى تشتبك النجوم وصار تأخير الفطر شعارا لهم. وقد روى مسلم من حديث أبى عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂، فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الافطار، ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الافطار ويؤخر الصلاة. قالت: أيهما يعجل الافطار ويعجل الصلاة؟ قلنا: عبد اللَّه بن مسعود ﵁. قالت: هكذا صنع رسول اللَّه ﷺ. والآخر أبو موسى" كما روى مسلم من حديث عبد اللَّه بن أبى أوفى ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- فى سفر فى شهر رمضان فلما غابت الشمس قال: يا فلان انزل فاجدح لنا قال: يا رسول اللَّه إن عليك نهارا! قال: انزل فاجدح لنا قال: فنزل فجدح فأتاه به فشرب النبى ﷺ ثم قال: بيده: إذا غابت الشمس من ههنا وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم" ومعنى جدح أن خلط السويق بالماء وحركه حتى يستوى وأصل الجدح خلط الشئ بغيره.
[ ٣ / ١٩٧ ]
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب تعجيل الفطر للصائم.
٢ - كراهة التنطع فى الدين.
[ ٣ / ١٩٨ ]
٩ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ تسحروا، فإن فى السحور بركة" متفق عليه.
[المفردات]
السحور: بفتح السين اسم لما يتسحر به. وبضم السين بمعنى التسحر وهو الأكل وقت السحر والسحر جزء من الليل قبيل الصبح.
بركة: أى أجر وثواب أو قوة على الصوم وتنشيط له وتخفيف لمشقته، أو نماء يعم ذلك كله وغيره من بذل الطعام على المحاويج والدعاء فى هذا الوقت المبارك.
[البحث]
روى أبو داود والنسائى واللفظ لأبى داود بإسناد وصف بأنه حسن من حدث العرباض بن سارية ﵁ قال: دعانى رسول اللَّه -ﷺ- إلى السحور فى رمضان فقال: هَلُمَّ إلى الغداء المبارك. وأشار رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن أكلة السحر هى فارق بين صيام المسلمين وصيام أهل الكتاب فقد روى مسلم فى صحيحه
[ ٣ / ١٩٨ ]
من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب السحور.
٢ - أن فى السحور خيرا عظيما قد لا يخطر على بال الإنسان.
[ ٣ / ١٩٩ ]
١٠ - وعن سلمان بن عامر الضَّبِّىِّ ﵁ عن النبى -ﷺ- قال: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور" رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
[المفردات]
سلمان بن عامر: هو سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبى له صحبة، قال مسلم ابن الحجاج: وليس فى الصحابة ضبى غيره. ونقل مثل ذلك الصنعانى فى سبل السلام عن ابن عبد البر فى الاستيعاب. لكن قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: قلت: فى الصحابة يزيد بن نعامة الضبى، قال البخارى: له صحبة، وكدير الضبى مختلف فى صحبته، وحنظلة بن ضرار الضبى قال الدولابى قتل يوم الجمل وهو ابن مائة سنة،
[ ٣ / ١٩٩ ]
ذكره ابن قانع فى الصحابة فى آخرين مذكورين فى الكتب المصنفة فى الصحابة فينظر فى قول مسلم، وذكر أبو إسحاق الصريفينى: توفى سلمان فى خلافة عثمان وفيه نظر والصواب أنه تأخر إلى خلافة معاوية اهـ وفى نسخ بلوغ المرام المفردة والمشروحة: سليمان بن عامر وهو خطأ، والمصنف فى تلخيص الحبير والتقريب وتهذيب التهذيب قال فيه: سلمان بن عامر وهو الموافق للأصول، وقد أخرج البخارى لسلمان الضبى ﵁.
أفطر: أف أراد أن يفطر بعد صيامه.
طهور: أى مزيل للأدران.
[البحث]
هذا الحديث صححه أيضا أبو حاتم الرازى كما قال الحافظ فى التلخيص، وقد قال أبو داود: باب ما يفطر عليه" حدثنا مسدد ثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عمها قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإن الماء طهور" قال فى التقريب: الرباب بفتح أولها وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة، بنت صليع بمهملتين مصغرا، الضبية
[ ٣ / ٢٠٠ ]
مقبولة من الثالثة. وأشار إلى أن البخارى اخرج لها فى التعاليق وكذلك أصحاب السنن الأربعة. وذكر الترمذى أنها يقال لها أم الرائح بنت صليع. وقال الترمذى بعد أن أخرج هذا الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الفطر على التمر فإن لم يوجد فعلى الماء.
٢ - أن الماء يفيد البدن إذا أفطر عليه الصائم.
٣ - وأن الفطر على التمر أفضل من الفطر على الماء.
[ ٣ / ٢٠١ ]
١١ - وعن أبى هريرة ﵁ قال: نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول اللَّه فقال: "وأيكم مثلى؟ " إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" متفق عليه.
[المفردات]
الوصال: هو ترك الفطر فى الليل ليتصل صوم اليوم اللاحق باليوم السابق.
يطعمنى ربى ويسقينى: قيل المراد أن اللَّه يمده بمعنى الطعام والشراب فيكون كالطاعم والشارب
[ ٣ / ٢٠١ ]
وقيل المراد بهذا أن اللَّه تعالى يفيض عليه من معارفه ولذة مناجاته والشوق إليه ما يشغله عن الطعام والشراب على حد قول الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ومن حديثك فى أعقابها حادى
إذا اشتكت من كلال السير واعدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد
واصل بهم: أى لم يأمرهم بالفطر.
رأوا الهلال: أى هلال شوال المؤذن بانتهاء صوم رمضان.
كالمنكل لهم: أى كالمعاقب لهم.
[البحث]
ذكر الحافظ فى تلخيص الحبير أن هذا الحديث أخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن عمر ومن حديث أبى هريرة وعائشة وأنس ﵃ وانفرد البخارى بإخراجه من حديث أبى سعيد ﵁ ووهم الصنعانى فى سبل السلام حيث ذكر أن الذى انفرد بإخراجه عن أبى سعيد هو مسلم وتبعه كذلك صديق حسن خان فى فتح العلام وليس كذلك بل الذى انفرد بإخراجه عن أبى سعيد هو البخارى كما ذكر المصنف ﵀ فى التلخيص إذ
[ ٣ / ٢٠٢ ]
أن حديث أبى سعيد ليس فى مسلم، وإنما هو فى البخارى. وقد أشار البخارى ﵀ إلى الحكمة فى النهى عن الوصال وأن رسول اللَّه -ﷺ- إنما نهى عن ذلك رحمة لهم وإبقاء عليهم، وبغضا للتعمق المؤدى إلى الانقطاع، وقد جاء فى لفظ لمسلم من حديث أنس ﵁ قال كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلى فى رمضان فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا فلما حس النبى -ﷺ- أنا خلفه جعل يتجوز فى الصلاة ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم ذاك الذى حملنى على الذى صنعت قال: فأخذ يواصل رسول اللَّه -ﷺ- وذاك فى آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبى -ﷺ- ما بال رجال يواصلون، إنكم لست مثلى، أما واللَّه لو تمادَّ الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم" وهذا يؤكد أن المقصود من النهى عن الوصال هو رحمة الأمة وإبعادها عن أسباب انقطاعها لما علم أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. كما جاء فى المثل. كما أن الترغيب فى السحور والحض عليه والاشارة إلى أنه الأكلة المفرقة بين صيام المسلمين وصيام أهل الكتاب مما يؤكد ذلك.
[ما يفيده الحديث]
١ - كراهية الوصال فى الصوم.
٢ - استحباب السحور.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
٣ - كراهة التنطع فى الدين.
٤ - جواز ترك المتشدد على تشدده مدة ليحس بالردع امتحانا.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
١٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس للَّه حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخارى وأبو داود واللفظ له.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى هريرة ﵁.
قول الزور: أى الكذب.
العمل به: أى الفعل الذى يثمره قول الزور.
الجهل: السفه.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى بهذا اللفظ فى كتاب الأدب من صحيحه من حديث أحمد بن يونس حدثنا ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى هريرة عن النبى -ﷺ- قال: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس للَّه حاجة أن يدع طعامه وشرابه" قال أحمد أفهمنى رجل إسناده اهـ وفى نسخة من صحيح البخارى وهى التى شرحها الحافظ ابن حجر: عن المقبرى عن أبيه قال الحافظ فى الفتح: وقوله هنا فى آخره: قال أحمد أفهمنى رجل إسناده أحمد هو ابن
[ ٣ / ٢٠٤ ]
يونس المذكور والمعنى أنه لما سمع الحديث من ابن أبى ذئب لم يتيقن إسناده من لفظ شيخه فأفهمه إياه رجل كان معه فى المجلس وقد خالف أبو داود رواية البخارى فأخرج الحديث المذكور عن أحمد بن يونس لكن قال فى آخره: قال أحمد فهمت إسناده من ابن أبى ذئب وأفهمنى الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه اهـ ثم قال الحافظ: فيحمل على أن أحمد بن يونس حدث به عن الوجهين يعنى أن ابن يونس لما سمعه من ابن أبى ذئب خفى عنه بعض لفظه أما على رواية البخارى فمن الاسناد وأما على رواية أبى داود فمن المتن وكان الرجل بجنبه فكأنه استفهمه عما خفى عليه منه فأفهمه فلما كان بعد ذلك وتصدى للتحديث به أخبر بالواقع ولم يستجز أن يسنده عن ابن أبى ذئب بغير بيان وقد وقع مثل ذلك لكثير من المحدثين وعقد الخطيب لذلك بابا فى كتاب الكفاية اهـ من فتح البارى وقد أورد هذا الحديث البخارى فى كتاب الصيام من حديث آدم بن إياس حدثنا ابن أبى ذئب حدثنا سعيد المقبرى عن أبيه عن أن هريرة ﵁ قال: قال النبى -ﷺ-: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للَّه حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه" واللفظ الذى أورده البخارى فى كتاب الأدب هو لفظ الباب الذى أورده المصنف هنا فى بلوغ المرام ونسبه إلى أبى داود مع أن لفظ أبى داود فى سننه كلفظ البخارى فى كتاب الصيام ليس فيه "والجهل" وإنما وردت هذه اللفظة للبخارى وحده فى كتاب
[ ٣ / ٢٠٥ ]
الأدب كما أشرت، فنسبة المصنف اللفظ لأبى داود وهم منه ﵀.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن قول الزور والعمل به والجهل يجرح الصوم.
٢ - أنه يخشى على من ارتكب هذه المعاصى وهو صائم ألا يقبل منه صيامه.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
١٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبى -ﷺ- يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه" متفق عليه، واللفظ لمسلم، وزاد فى رواية: فى رمضان".
[المفردات]
ويباشر: المراد بالمباشرة هنا اللمس باليد والتقاء البشرتين.
أملككم لإِربه: أى أقدركم على التحكم فى شهوة نفسه.
وزاد: أى مسلم من حديث عائشة ﵂.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: باب المباشرة للصائم ثم ساق بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: كان النبى -ﷺ- يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإِربه" ثم قال: باب القبلة للصائم وساق بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول اللَّه ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحكت" أما مسلم فقد روى هذا الحديث بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ الذى
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ساقه المصنف، ومنها: قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقبلنى وهو صائم وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللَّه ﷺ يملك إربه" ومنها: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لإِربه" ومنها: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يباشر وهو صائم" ومنها: قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقبل فى شهر الصوم" ومنها: قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقبل فى رمضان وهو صائم" وهذا اللفظ الأخير هو الذى أشار إليه المصنف بأنه زيادة فى رواية مسلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب ترك القبلة للصائم إذا كان يخشى على نفسه.
٢ - استحباب ترك المباشرة للصائم إذا كان يخشى على نفسه.
٣ - جواز القبلة والمباشرة للصائم إذا كان قادرا على كبح جماح شهوته.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
١٤ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبى -ﷺ- احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" رواه البخارى.
[المفردات]
احتجم: الاحتجام هو إخراج دم من الجسم بواسطة مشرط فى موضع معين بآلة تلصق فوق محل قطع المشرط
[ ٣ / ٢٠٧ ]
ويمصها الحجام، ولذلك يقال للحجام المصاص، والآلة التى يجمع فيها الدم محجمة، والاحتجام غير الفصد.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه بهذا اللفظ وأخرج كذلك من حديث ابن عباس ﵄ قال: احتجم النبى -ﷺ- وهو صائم" وقد قال البخارى: ويذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة أنهم احتجموا صياما وقال بكير عن أم علقمة: كنا نحتجم، عند عائشة فلا ننهى اهـ وسيأتى مزيد بحث لموضوع احتجام الصائم فى الحديث التالى لحديث ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
١٥ - وعن شداد بن أوس ﵁ أن النبى -ﷺ- أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم فى رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم" رواه الخمسة إلا الترمذى وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان.
[المفردات]
البقيع: يطلق على أماكن فى المدينة منها مدفن أهل المدينة.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: ويروى عن الحسن عن غير واحد
[ ٣ / ٢٠٨ ]
مرفوعا: أفطر الحاجم والمحجوم" قال لى عياش: حدثنا عبد الأعلى حدثنا يونس عن الحسن مثله قيل له: عن النبى -ﷺ-؟ قال: نعم ثم قال: اللَّه أعلم اهـ.
قال الحافظ فى فتح البارى: قال على بن المدينى: روى يونس عن الحسن حديث أفطر الحاجم والمحجوم" عن أبى هريرة، ورواه قتادة عن الحسن عن ثوبان، ورواه عطاء بن السائب عن الحسن عن معقل بن يسار ورواه مطر عن الحسن عن على، ورواه أشعث عن الحسن عن أسامة، زاد الدارقطنى فى العلل أنه اختلف على عطاء بن السائب فى الصحابى فقيل معقل بن يسار المزنى وقيل: معقل بن سنان الأشجعى، وروى عن عاصم عن الحسن عن معقل بن يسار أيضا وقيل: عن مطر عن الحسن عن معاذ واختلف على قتادة عن الحسن فى الصحابى فقيل أيضا: على وقيل أبو هريرة. قلت: واختلف على يونس أيضا كما سأذكره قال: وقال أبو حرة حن الحسن عن غير واحد عن النبى ﷺ. قال فإن كان حفظه صحت الأقوال كلها اهـ ثم قال الحافظ: والاختلاف على الحسن فى هذا الحديث واضح لكن نقل الترمذى فى العلل الكبير عن البخارى أنه قال: يحتمل أنه سمعه من غير واحد اهـ وقد أخرج الترمذى حديث: أفطر الحاجم والمحجوم" من حديث رافع بن خديج عن النبى -ﷺ- ثم قال: وفى الباب عن سعد وعلى وشداد بن أوس وثوبان وأسامة بن زيد
[ ٣ / ٢٠٩ ]
وعائشة ومعقل بن يسار ويقال: معقل بن سنان وأبى هريرة وابن عباس وأبى موسى وبلال قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شئ فى هذا الباب حديث رافع بن خدج وذكر عن على بن عبد اللَّه أنه قال: أصح شئ فى هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس لأن يحيى بن أبى كثير روى عن أبى قلابة الحديثين جميعا حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبى -ﷺ- وغيرهم الحجامة للصائم حتى أن بعض أصحاب النبى -ﷺ- احتجم بالليل منهم أبو موسى الأشعرى وابن عمر اهـ. وسيأتى مزيد بحث لهذا الموضوع فى الحديث التالى:
[ ٣ / ٢١٠ ]
١٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبى طالب احتجم وهو صائم فمر به النبى ﷺ فقال: أفطر هذان" ثم رخص النبى -ﷺ- بعد فى الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم" رواه الدارقطنى وقواه.
[المفردات]
وقواه: أى وثق رجاله حيث قال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: حدثنا آدم بن أبى إياس حدثنا شعبة
[ ٣ / ٢١٠ ]
قال: سمعت ثابتا البنانى قال: سئل أنس بن مالك ﵁ أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا. إلا من أجل الضعف وزاد شبابة: حدثنا شعبة: على عهد النبى -ﷺ-" قال الحافظ فى الفتح: قوله وزاد شبابة: حدثنا شعبة: على عهد النبى -ﷺ-" هذا يشعر بأن رواية شبابة موافقة لرواية آدم فى الاسناد والمتن إلا أن شبابة زاد فيه ما يؤكد رفعه اهـ واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٢١١ ]
١٧ - وعن عائشة ﵂ أن النبى ﷺ اكتحل فى رمضان وهو صائم" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، وقال الترمذى: لا يصح فى هذا الباب شئ.
[المفردات]
اكتحل: أى وضع الكحل فى عينيه. والكحل الاثمد. وكل ما وضع فى العين يشتفى به.
[البحث]
هذا الحديث رواه ابن ماجه من طريق بقية ثنا الزُّبيْدى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، قال الحافظ فى تلخيص الجبر: وفى إسناده بقية عن الزبيدى عن هشام بن عروة والزبيدى المذكور اسمه سعيد بن أبى سعيد ذكره ابن عدى وأورد هذا الحديث فى ترجمته، وكذا قال البيهقى وصرح به فى
[ ٣ / ٢١١ ]
روايته وزاد: إنه مجهول. وقال النووى فى شرح المهذب: رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من رواية بقية عن سعيد بن أبى سعيد عن هشام، وسعيد ضعيف، قال: وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة انتهى ثم قال الحافظ: وليس سعيد ابن أبى سعيد بمجهول بل هو ضعيف واسم أبيه، عبد الجبار على الصحيح. وفرق ابن عدى بين سعيد بن أبى سعيد الزبيدى فقال: هو مجهول، وسعيد بن عبد الجبار فقال: هو ضعيف، وهما واحد، ورواه البيهقى من طريق محمد بن عبيد اللَّه بن أبى رافع عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يكتحل وهو صائم وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: هذا حديث منكر، وقال فى محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البخارى: ورواه ابن حبان فى الضعفاء من حديث ابن عمر وسنده مقارب، ورواه ابن أبى عاصم فى كتاب الصيام له من حديث ابن عمر أيضا ولفظه: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك فى رمضان وهو صائم، ورواه الترمذى من حديث أنس فى الاذن فيه لمن اشتكت عينه ثم قال: ليس إسناده بالقوى ولا يصح عن النبى -ﷺ- فى هذا الباب شئ اهـ.
[ ٣ / ٢١٢ ]
١٨ - وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: من ذمى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم
[ ٣ / ٢١٢ ]
صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" متفق عليه. وللحاكم: "من أفطر فى رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وهو صحيح.
[المفردات]
نسى: أى غفل عن صومه وذهل عنه.
فليتم صومه: أى فليستمر على صيامه ولا يفطر.
وللحاكم: أى من حديث أبى هريرة ﵁.
[البحث]
عنون البخارى فى صحيحه فقال: باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء فى حلقه لا بأس إن لم يملك، وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شئ عليه، وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيا فلا شئ عليه. ثم ساق الحديث عن أبى هريرة بلفظ: عن النبى -ﷺ- قال: إذا نسى فأكل وشرب فليم صومه فانما أطعمه اللَّه وسقاه" واللفظ الذى أورده المصنف هنا هو لفظ مسلم. أما حديث الحاكم الذى أورده المصنف للاشعار بأن هذا الحكم يعم الفريضة والنافلة مع زيادة النص على سقوط القضاء والكفارة فقد أخرجه كذلك ابن خزيمة وابن حبان والدارقطنى كلهم من طريق محمد بن عبد اللَّه الأنصارى عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة ﵁، وقد أشار الحافظ فى فتح البارى إلى أنه تفرد به الأنصارى كما قال
[ ٣ / ٢١٣ ]
البيهقي وهو ثقة. ثم قال الحافظ فى الفتح: والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان فإن النسائى أخرج الحديث من طريق على بن بكار عن محمد بن عمرو ولفظه: فى الرجل يأكل فى شهر رمضان ناسيا فقال: أطعمه اللَّه وسقاه" وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبى هريرة أخرجه الدارقطنى من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه: فإنما هو رزق ساقه اللَّه إليه ولا قضاء عليه" وقال بعد تخريجه: هذا اسناد صحيح كلهم ثقات اهـ.
وقد اخرج الدارقطنى من طريق محمد بن مرزوق البصرى ثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصارى ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: من أفطر فى شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" ثم قال الدارقطنى: تفرد به محمد ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصارى اهـ. قال الحافظ فى الفتح: ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن إنسانا جاء إلى أبى هريرة ﵁ فقال: أصبحت صائما فنسيت فطعمت، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت. قال: لا بأس، اللَّه اطعمك وسقاك. ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت. فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام.
[ما يفيده الحديث]
١ - من أفطر ناسيا يتم صومه ولا قضاء عليه.
[ ٣ / ٢١٤ ]
٢ - أنه لا إثم عليه فى ذلك لأن اللَّه هو الذى أطعمه وسقاه.
٣ - أنه لا فرق فى النسيان فى الصوم بين الفريضة والنافلة.
[ ٣ / ٢١٥ ]
١٩ - وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: من ذرعه القئ فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" رواه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطنى.
[المفردات]
ذرعه القئ: أى غلبه وسبقه وخرج رغم أنفه.
من استقاء أى تعمد القئ، والقئ ما يخرج من أعلى المعدة مندفعا إلى الخارج بطريق الفم.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: من ذرعه القئ وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" الدارمى وأصحاب السنن وابن حبان والدارقطنى والحاكم، وله ألفاظ من حديث أبى هريرة قال النسائى: وقفه عطاء على أبى هريرة، وقال الترمذى: لا نعرفه إلا من حديث هشام عن محمد عن أبى هريرة تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخارى: لا أراه محفوظا وقد روى من غير وجه ولا يصح إسناده، وقال الدارمى: زعم أهل البصرة أن هشاما أو هم
[ ٣ / ٢١٥ ]
فيه وقال أبو داود: وبعض الحفاظ لا يراه محفوظا، وأنكره أحمد وقال فى رواية: ليس من ذا شئ قال الخطابى: يريد أنه غير محفوظ وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو فى كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه اهـ أما الدارقطنى فقد قال: حدثنا أبو بكر النيسابورى ثنا أحمد بن محمد بن شقير ثنا محمد بن المبارك الصورى ثنا عيسى بن يونس ح وثنا أبو بكر النيسابورى ثنا الربيع ابن سليمان نا عبد اللَّه بن وهب نا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: من استقاء عامدا فعليه القضاء، ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه" رواته ثقات كلهم اهـ وقوله رواته ثقات كلهم هو مراد المصنف بقوله: وقواه الدارقطنى. وقد رأيت ما قاله الأئمة فى هذا الحديث لكن أخرج مالك فى الموطأ من حديث نافع عن ابن عمر من فتواه وكذلك أخرجه الشافعى من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر من فتواه أيضا ﵁.
[ ٣ / ٢١٦ ]
٢٠ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة فى رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغَمِيم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة" وفى لفظ
[ ٣ / ٢١٦ ]
"فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من مات بعد العصر فشرب" رواه مسلم.
[المفردات]
خرج: أى فى العاشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة.
كُرَاع الغميم: كراع بضم الكاف بعدها راء والغميم بفتح الغين وكراع الغيم واد أمام عسفان على ثلاثة أميال من عسفان.
بقدح: هو إناء يروى الرجلين.
شق عليهم: أى أتعبهم وثقل عليهم يعنى الصيام فى السفر.
[البحث]
أخرج مسلم هذا الحديث من طريق محمد بن المثنى عن عبد الوهاب يعنى ابن عبد المجيد عن جعفر عن أبيه عن جابر ﵁ باللفظ الأول الذى ساقه المصنف ثم قال مسلم: وحدثناه قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعنى الدراوردى عن جعفر بهذا الاسناد وزاد فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر" وليس فى آخره لفظة "فشرب" التى ذكرها المصنف ﵀. وقد جاء فى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج إلى مكة فى رمضان فصام حتى بلغ الكديد
[ ٣ / ٢١٧ ]
أفطر فأفطر الناس" قال البخارى: والكَدِيد: ماء بين عسفان وقُدَيد. وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول اللَّه -ﷺ- من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر" وليس بين هذه الروايات كبير تعارض لأن هذه الأماكن وهى كراع الغميم والكديد وعسفان متقاربة وأدناها إلى المدينة الكديد فيجوز نسبة مكان الفطر إلى كل واحد منها لتقاربها.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الفطر للمسافر حتى ولو كان قد استهل عليه رمضان فى الحضر.
٢ - أنه يتعين على المسافر الفطر إذا أمره الإمام بذلك للمصلحة.
٣ - أنه ينبغى للإمام الرفق بالرعية ودفع المشقة عنهم.
[ ٣ / ٢١٨ ]
٢١ - وعن حمزة بن عمرو الأسلمى ﵁ أنه قال: يا رسول اللَّه أجد بى قوة على الصيام فى السفر فهل علىّ جُنَاح؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ- هى رخصة من اللَّه فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" رواه مسلم، وأصله فى المتفق عليه من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو سأل.
[المفردات]
حمزة بن عمرو الأسلمى: هو حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمى
[ ٣ / ٢١٨ ]
أبو صالح ويقال أبو محمد المدنى ﵁ قال فى تهذيب التهذيب: قال البخارى فى التاريخ: حدثنى أحمد بن الحجاج ثنا سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن محمد بن حمزة الأسلمى عن أبيه قال كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- فى ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليهم ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعى لتنير قال ابن سعد وغيره: مات سنة ٩١ وهو ابن ٧١ سنة وقيل إنه بلغ ثمانين اهـ.
جُنَاح: هو بضم الجيم: الإثم.
رخصة من اللَّه: أى تسهيل من اللَّه لعباده.
[البحث]
الأصل المتفق عليه لهذا الحديث الذى أشار إليه المصنف هو ما رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة ﵂ واللفظ للبخارى: أن حمزة بن عمرو الأسلمى قال للنبى ﷺ: أأصوم فى السفر؟ وكان كثير الصيام -فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" ولفظ مسلم عنها ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمى سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إنى رجل أسرد الصوم أفأصوم فى السفر؟ قال: "صم إن شئت، وأفطر إن شئت" وفى لفظ للبخارى:
[ ٣ / ٢١٩ ]
من حديثها ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمى قال: يا رسول إنى أسرد الصوم اهـ ومعنى أسرد الصوم أى أتابعه.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المسافر مخير بين الفطر والصيام.
٢ - وأن ذلك راجع إلى مشيئة المسافر وإرادته.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
٢٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه" رواه الدارقطنى والحاكم وصححاه.
[المفردات]
للشيخ الكبير: أى للهرم المسن العاجز عن الصيام.
[البحث]
قال الدارقطنى: حدثنا أبو صالح الأصبهانى ثنا عبد الرحمن بن سعيد بن هارون أنا أبو مسعود ثنا محمد بن عبد اللَّه الرقاشى ثنا وهيب بن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه. وهذا إسناد صحيح اهـ.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
٢٣ - وعن أبى هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: هلكت يا رسول اللَّه! قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتى فى رمضان! فقال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. ثم جلس فأتى النبى ﷺ بعَرَق فيه تمر فقال: تصدق بهذا فقال: أعَلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا! فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة واللفظ لمسلم.
[المفردات]
هلكت: أى ضيعت نفسى وأوبقتها بارتكاب معصية.
وقعت على امرأتى: أى أصبتها.
فى رمضان: أى فى نهار رمضان.
تعتق رقبة: أى تحرر نفسا: عبدا أو أمة.
متتابعين: أى متتاليين بلا انقطاع عن الصوم فيهما.
بعرق: بفتح العين والراء وقد تسكن الراء وهو الزنبيل ويقال له: القفة ويقال له: المكتل وهو يسع خمسة عشر صاعا ويكفى لإطعام ستين شخصا.
لابتيها: تثنية لابة وهى الحرة وللمدينة حرتان واحدة شرقية
[ ٣ / ٢٢١ ]
وأخرى غربية، وهى فى الأصل: حجارة نخرة سود تغطى وجه الأرض.
فضحك: أى تبسم ﷺ تبسما شديدا.
بدت أنيابه: أى ظهرت أنيابه والأنياب جمع ناب وهو السن خلف الرَّباعية، والرباعية كالثمانية هى السن التى بين الثنية والناب.
رواه السبعة: أى أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.
[البحث]
جاء فى رواية للبخارى ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن رجلا أتى النبى -ﷺ- فقال: إنه احترق. قال: مالَكَ؟ قال: أصبت أهلي فى رمضان، فأتى النبى -ﷺ- بِمِكْتَل يدعى العَرَق فقال: أين المحترق؟ قال: أنا. قال تصدق بهذا" ومعنى أنه احترق أى هلك بسبب إصابته أهله فى نهار رمضان مما قد يسبب له دخول النار يوم القيامة واحتراقه فيها، كما جاء فى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة قال فيه: بعَرَق فيه تمر وهو الزَّنْبِيل" وفى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة ﵁: فأتى النبى -ﷺ- بعرق فيه تمر -وهو الزنبيل- قال أطعم هذا عنك".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيا تائبا لا يلزم
[ ٣ / ٢٢٢ ]
تعزيره.
٢ - وجوب الكفارة الكبرى على من جامع فى نهار رمضان.
٣ - وجوب هذه الكفارة على الموسر وعلى وتثبت فى ذمته حتى يستطيع ولو بالتصدق عليه.
٤ - جواز الأكل من طعام الكفارة لمن وجبت عليه إذا كان معسرا والتصدق بها على أهله.
٥ - فرح الإمام بقضاء حاجات الرعية الدنيوية والأخروية.
٦ - استحباب الرفق بالمتعلم والتلطف فى التعليم.
٧ - جواز إخبار الرجل بما يقع بينه وبين أهله للحاجة.
٨ - قبول قول المكلف مما لا يطلع عليه إلا من جهته كدعوى فقر هذا الرجل إذا عرف صدق لهجته.
٩ - استحباب استعمال الكناية فيما يستقبح ويستهجن التلفظ به.
١٠ - حرص أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- على طهارة نفوسهم وتخليصها من أسباب عذاب اللَّه ﵃.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
٢٤ - وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبى -ﷺ- كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويصوم" متفق عليه وزاد مسلم فى حديث أم سلمة "ولا يقضى".
[المفردات]
يصبح: أى يدخل فى الصباح ويطلع عليه الفجر الصادق.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
جنبا: أصل الجنابة المنى والجنب هو الذى أمنى وقد يطلق على مجرد الوقاع وإن لم ينزل منيا.
من جماع: أى بسبب الجماع لا بسبب الاحتلام قال النووى: لامتناع الاحتلام فى حق الأنبياء.
ثم يغتسل: أى بعد طلوع الفجر.
ولا يقضى: أى ولا يؤثر كونه يصبح جنبا على صيامه إذ أن ذلك لا يضر الصيام.
[البحث]
لفظ البخارى فى صحيحه من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" ولفظ مسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كان النبى -ﷺ- يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم، وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قد كان رسول اللَّه -ﷺ- يدركه الفجر فى رمضان وهو جنب من غير حُلم فيغتسل ويصوم" وفى لفظ لمسلم من حديث أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصبح جُنبا من جماع لا من حُلم ثم لا يفطر ولا يقضى وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: إن كان رسول اللَّه -ﷺ- ليصبح جنبا من جماع غير احتلام فى رمضان ثم يصوم" وفى لفظ لمسلم من
[ ٣ / ٢٢٤ ]
عائشة ﵂ أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ يستفتيه وهى تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول اللَّه! تدركنى الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: وأنا تدركنى الصلاة وأنا جنب فأصوم" فقال لست مثلنا يا رسول اللَّه قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: واللَّه إنى لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه وأعلَمَكُم بما أتَّقِى" وقول الرجل: تدركنى الصلاة أى صلاة الصبح. ومعنى ذلك أن النهار يطلع علىَّ وأنا جنب.
[ما يفيده الحديث]
١ - صحة صوم من أصبح جنبا من وقاع.
٢ - صحة صوم من أصبح جنبا من احتلام من باب أولى.
٣ - أن من أصبح جنبا وصام لا يقضى يوما مكانه.
٤ - لا فرق بين من أصبح جنبا فى رمضان أو فى غير رمضان وهو يريد الصوم.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
٢٥ - وعن عائشة ﵂ أن النبى -ﷺ- قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه.
[المفردات]
وعليه صيام: أى وقد لزمه صيام ومات قبل أن يقضيه مع
[ ٣ / ٢٢٥ ]
إدراك زمن كان يتمكن فيه من القضاء.
وليه: أى قريبه.
[البحث]
الأصل فى العبادات أنها لا تصح فيها النيابة ولا يقوم أحد مقام من وجبت عليه إلا ما دل عليه الدليل وقد صح الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ- بجواز أن يقوم ولى الميت بقضاء حجه أو صومه فقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبى -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه إن أمى ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين اللَّه أحق أن يقضى" وفى لفظ للبخارى عن ابن عباس ﵄: قالت امرأة للنبى -ﷺ- إن أختى ماتت. وفى لفظ للبخارى عن ابن عباس ﵄ قالت امرأة للنبى -ﷺ-: إن أمى ماتت" وفى لفظ للبخارى عن ابن عباس قالت امرأة للنبى -ﷺ-: إن أمى ماتت وعليها صوم نذر" وفى لفظ للبخارى عن ابن عباس ﵄: قالت امرأة للنبى -ﷺ-: ماتت أمى وعليها صوم خمسة عشر يوما" وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن امرأة أتت رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: إن أمى ماتت وعليها صوم شهر فقال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين اللَّه أحق بالقضاء" وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى
[ ٣ / ٢٢٦ ]
رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: يا رسول اللَّه إن أمى ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم قال: فصومى عن أمك" وفى لفظ لمسلم من حديث بريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول اللَّه -ﷺ- إذ أتته امرأة فقالت: إنى تصدقت على أمى بجارية وإنها ماتت قال: فقال: قد وجب أجرك وردها عليك الميراث، قالت: يا رسول اللَّه إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومى عنها" قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجى عنها" قال الحافظ فى الفتح: وأما الاختلاف فى كون السائل رجلا أو امرأة والمسؤل عنه أختا أو أمَّا فلا يقدح فى موضع الاستدلال من الحديث لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت ولا اضطراب فى ذلك اهـ.
وأما ما أخرجه النسائى عن ابن عباس قال: لا يصوم أحد عن أحد. فقد أشار الحافظ فى الفتح إلى أن فيه مقالا. والعجيب أنه قال فى تلخيص الحبير: تنبيه: روى النسائى فى الكبرى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وروى عبد الرزاق مثله عن ابن عمر من قوله وفى البخارى فى باب النذر عنهما تعليقا الأمر بالصلاة فاختلف قولهما والحديث الصحيح أولى بالاتباع اهـ قلت: قال البخارى فى صحيحه: باب من مات وعليه نذر" وأمر ابن عمر امرأة جعلت
[ ٣ / ٢٢٧ ]
أمها على نفسها صلاة بقباء، فقال صلى عنها، وقال ابن عباس نحوه. اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من مات وعليه صيام جاز لوليه أن يصوم عنه.
٢ - أن هذا مستثنى من عدم جواز الانابة فى العبادات البدنية.
[ ٣ / ٢٢٨ ]