ثم إن التواترَ قد يكونُ من حيث الإسناد وهو معروفٌ، كحديث: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
وقد يكون من حيث الطبقة كتواتر القرآن، فإنه تواتر على البسيطة شرقًا وغربًا، درسًا وتلاوةً، حفظًا وقراءةً، وتلقاه الكافةُ عن الكافة، طبقة عن طبقة، فهذا لا يحتاجُ إلى إسناد معين، يكون عن فلان عن فلان. وقد يكون تواترَ عملٍ وتوارث، بتواتر العمل على شيء من لدن صاحب الشريعة إلى يومنا هذا، كالسواك. والرابع: تواتر القدر المشترك، كتواتر المعجزات، فإن مفرداتها وإن كانت آحادًا، لكن القدر المشترك متواترٌ قطعًا، كسخاء حاتم، فإن أخباره وإن كانت آحادًا، إلا أن سخاءه معلومٌ متواترًا. وقد يجتمعُ أقسامٌ منها في شيء واحد.
وعلى هذا نقول: إن الصلاة فريضةٌ، واعتقاد فريضتَها فرضٌ، وتحصيل علمُها فرض، وجَحدها كفر، وكذا جهلُهَا، والسِّوَاك سنةٌ، واعتقادُ سنيتَه فرضٌ، لأنه ثَبَتَ متواترًا بأنحاء التواتر وتحصيل علمُهُ سنةٌ، وجحودهُ كفرٌ، وجهلهُ حِرمانٌ، وتركُه عتَابٌ أو عِقَاب.
ثم إن التواترَ يزعمه بعض الناس قليلًا، كما نقله الحافظ في «شرح نُخْبَةِ الفِكر»: أن بعضهم أنكروا مِثاله، وبعضهم ادعوا العِزَّة فيه، ولم يأتوا إلا بمثال أو مثالين. وهو على ما قلت كثير في شريعتنا، بحيث يفوت عنه الحصر، ويعجزُ الإنسان أن يفهرِسَه، ولكن ربما يذهل الإنسان عن التفاته، فإذا التفت إليه رآه متواترًا كالبديهي، وهذا مما ينبغي أن يُنَّبه عليه.