واعلم أن النبي ﷺ ينتظر الوحي في الأمور كلها، فإذا لم ينزل عليه وَدَعَتْ له حاجة اجتهد. ثم لا يُتْرَكُ على الخطأ لو وقع فيه، ولا يَسْتَقِرُّ عليه حتى الموت قط، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلخ [الحج: ٥٢] وسنعود إلى تفسيره إن شاء الله تعالى. وما ذكره المفسرون من القصص ههنا فكلُّها باطلة. وقول إبراهيم ﵊ ﴿هَذَا رَبّي﴾ [الأنعام: ٧٦] من هذا القبيل عندي. والناس ذكروا عنه وجوهًا من رَطْبٍ ويابس، وما نُلْقِي عليك الآن هو أنه لم يكن هناك شيء في الخارج، بل السلسلة كلها حكاية عن انتقالاته التدريجية الفكرية، حتى انتهى إلى العِلم الحقيقي. ولم يكن لهذا المعنى لفظ يؤدي مؤدَّاه، فسبق الوَهْم من مجرد التعبير إلى ما سبق، وكان المراد منه هو التدرّج، ولذا كرر قوله: ﴿هَذَا رَبّي﴾ ثلاث مرات. معناه: أنه اجتهد في أنه ربه أم لا؟ ثم اجتهد واجتهد حتى تبيَّن له أنَّ مَنْ كان محطًا للتحوُّلات، ومحّلًا للتغيرات، وآفلًا بعد كونه طعالعًا، ومُظلمًا إثْرَ كونه مضيئًا ومستضيئًا، لا تليق به الأولوهية، فتبرَّأ منه حنيفًا مسلمًا. ولفظ الاجتهاد حادثٌ، والتدرج لم يكن في الخارج بلفظ، ولكنه نية على نحو التقادير، وما المانع عنه عند
[ ١ / ٩٨ ]
ظهور الحُجة شيئًا فشيئًا، فإبراهيم ﵊ ما كان له أن يعتقد بقوله: ﴿هَذَا رَبّى﴾، ولكنْ تَدرجَ نحو العلم الحقيقي شيئًا فشيئًا حتى بلغ إلى حقيقة العِلم، ولم يستقر على ما يلوح من ظاهر الألفاظ، ولو كلمحة برقٍ خاطفٍ، فاعلمه.