وعند المصنف في التعبير: «الرؤيا الصادقة». وبينهما فرق ظاهر، فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة. وقد تكون غير نافعة، كرؤياه ﷺ في أحد: وإنما بُدىء بذلك ليكون له تمهيدًا وتوطِئةً لما يكون في اليقظة. كتسليم الحجر عند مسلم، وكسماع الصوت عند بناء الكعبة أن: «اشْدُدْ عليكَ إزارَكَ» وهو في البخاري عن جابر، وهذا الصوت عندي صوت المَلَك، وكرؤية الضوء، وكلها لتقريبه إلى عالم الرُّوحانيات وعالم الغيب (١).
(فَلَقِ الصبح) قال ابن أبي جَمْرَة: إنما شبهه به دون غيره؛ لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مَبَادىء أنوارها، فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقتِ الشمس، فمن كان باطنه نوريًا كان في التصديق بَكْرِيًا كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلمًا كان في التكذيب خفَّاشًا كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. كذا في «الفتح» من كتاب التعبير.
(ثم حُبِّبَ إليه الخلاء) وهذا على نحوٍ من مجاهدات الصوفية وخلواتهم ثم إن اعتكاف الفقهاء وخلوات الصوفية عندي قريب من السَّواء. والفرقُ من جهة تعيين الأيام.
(اللياليَ ذَوَاتِ العَدَد) وأُبهم العددُ لاختلافِهِ. وفي تفسير «روح المعاني»: عن الصفيري أن النبي ﷺ كان يذهب إلى حِراء في رمضان، ويمكث إلى أربعين يومًا. قلت: أما ذهابه في رمضان فقد تحقق عندي. وأما مكثُهُ إلى الأربعين فلم أقف عليه سوى ما ذكره الصفيري. ولا أدري حاله؟ وقد تحقق عندي أنه كان يذهب خارج رمضان أيضًا، كما يُستفاد الإكثار من هذا الحديث.
وأما وجه خَلوته في حِرَاء خاصة. فكما عند الحافظ في التعبير: عن ابن أبي جمرة، أن المقيمَ فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. وفيه أيضًا: أن جدَّه عبد المطلب كان يخلو به أيضًا، وكان على الفِطرة، ويمكن أن يكون على الحنيفية. وتِنْقَلُ من كلماته ما يدل على إقراره بالقيامة، وأخلاقه الحسنة، وكان أُخْبِرَ بنبوته ﷺ بأن ابنه هذا يكون له شأن من الشرق إلى الغرب، وعلى هذا أمكن أن يكون ناجيًا، إلا أنْ يثبت عنه الشِّرك وعبادة الأصنام. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قلت: وذكر الحافظ في كتاب التعبير رواية عن عبيد عمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة أيضًا من غظ الملك وأمره بالقراءة وغير ذلك مما وقع له في اليقظة.
[ ١ / ٩٩ ]
(جَاءَهُ الحقّ) أي جبرائيل ﵇، أو المراد أنه انكشف له الحال الآن، وتحقق جليًا أن سماعَ الصوت ورؤية الضوء وسلام الحجر وغيرها، كان تمهيدًا للأمر الذي بُعث به.
(اقرأ) ليس من باب التكليف، بل من باب التَّلقين والتلقي لما يقوله، كما إذ يَحْضُر الصبيُّ قِبَل المعلِّم وكتابُهُ معه، فيقول له أستاذه: اقرأ، لا يريد بذلك تكليفه بالقراءة، ولكنه يكون تلقينًا له أن أقرأ كما أقرأ لك الآن (١).
(ما أنا بقارىء) واختُلف في هذا التركيب إنه مفيد للقصر أم لا، وذهب السكَّاكي إلى أنه يُفيد القصر، وهو المختار عندي، ولكنه ليس بمطَّرِد. قيل: (ما) في المرة الأولى نافية، أي لستُ بقارىء، وفي البواقي استفهامية، أي أيَّ شيء أقرأ؟ والأرجح عندي أنها كلها نافية، وترجمته: "مين وه شخص نهين جس سى قراءت هوسكى".
(فغطَّني) ذكر العلماء: أنه كان ضَرْبًا من التنبيه. وقال الصوفية - كَثَّرهم الله تعالى -: إنه كان للإلقاء في القلب، وللتقريب إلى المَلَكِيّة وإحداث المناسبة بها، وفيه أن للمعلِّم حقًا على المُتعلِّم.
فقال: ﴿اقرأ بسم ربك﴾ إلخ (٢) وإنما أضاف لفظ الاسم ولم يقل: اقرأ بربك، تبرُّكًا باسمه تعالى، فكما أن ذاتَه مَجْمَعُ البركات، كذلك صفاتُهُ وأسماؤه تعالى، فأدخل لفظَ الاسم وتبرَّك به إيذانًا بذلك، وإنما بدأ بالقراءة لأنها الأهمُّ إذ ذاك، وأما اسمُ الله تعالى فيصلحُ لبداية جميع الأمور، وليس له اختصاصٌ بشيء دون شيء.