قد سبق إلى بعض الأذهان أن قوله: «وإنما لكل امرىء ما نوى» مؤكد لقوله: «إنما الأعمال بالنيات» مع أنهما يفترقان من وجوه. منها كما قال الشيخ السِّندي: أن الجملة الأولى جملة عرفية تجربية وليست بتشريع. أقول: وله نظائر كقوله: «لكل أمةٍ أمين، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». «ولكل شيء زينة، وزينة القرآن آخر البقرة». فكون الأمين في كل أمة وكون الزينة في كل شيء أمر يعلمه أهل العرف أيضًا ويستعملونه فيما بينهم. ثم جاءت الشريعة ونبهت على أن تلك الحقيقة سرت إليها أيضًا، فدلت على أمين هذه الأمة. وهذا مما لا يُعلم إلا من تلقائه على حد. «وزينة القرآن» وهي لا تُقتنى إلا من جهته، فبيَّن أنها البقرة، وكذلك: «الأعمال بالنيات» جملة يستعلمونها أهل العرف ويقوله: هذه ثمرة أعماله "يعني عملون كي بهل".
والجملة الثانية: «وإنما لكل امرء ما نوى» حكم من جانب الشرع وتشييدٌ لما جرى بينهم وتحقيقٌ لما اعتبروه. وقيل: إن الأولى علة فاعلية، والثانية غائية، ففي الأُولى بيان للنية وهي مؤثرة، وفي الثانية بيان للغاية والثمرة. إلا أن الأغبياء جعلوا الغاية أيضًا علة فاعلية لفاعلية الفاعل، إلا أن يفرَّق بين الفاعلية للشيء وبين الفاعلية لفاعلية الفاعل للشيء. وحينئذٍ وإن كانت الغاية فاعلية، لكنها لفاعلية الفاعل للشيء، دون الشيء نفسه. وقيل: أن الأولى في حال الأعمال، والثانية في حال العالمين. وقيل: مفاد الأُولى ضرورة النية في الأعمال، فهي المدار لحبطها وعبرتها. والثانية في تعيين المنوي، فإن لكل امرىء ما نوى، فلا بد أن يعين المنوي.
ثم ما المراد بقوله: «ما نوى» هل المراد منه الغاية والثمرة؟ أو عين ما نوى؟ والأظهر عندي هو الثاني. فكلٌ يجدُ في آخرته عينَ عمله وعين ما ينويه في دُنياه. ولهذه الدقيقة ورد الجزاء بعين ألفاظ الشرط. والناس لما لم ينتقل أذهانهم إليه شمروا للجواب عن اتحاد الشرط
[ ١ / ٨٦ ]
والجزاء، مع أن في الحديث أذان من الله ورسوله إلى من هاجر إليهما في الدنيا أنه يجدُ هجرته تلك بعينها في الآخرة. ومن هاجر إلى دنيا أو امرأة لا يجدها إلا تلك ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، (الكهف: ٤٩) وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ (الكهف: ٤٩) فهذه حقيقة غَفَلَ عنها الناس، وفهموا أن في الدنيا أعمالًا وفي الآخرة ثمراتها. ثم أشكل عليهم مسألة التقدير، وقالوا: إن الأعمال لما كان من إقداره وتقديره، فترتب الجزاء عليها غير ظاهر. وفيه نظم لي طويل:
*وليس جَزَاءُ ذاك عينَ فِعَالِنَا وقد وجدوا ما يعملون وعوَّلوا
*وفي الحَال نارٌ ما تورط ههنا ولكنَّ سِترًا حالَ سوف يزولُ
وسنقرره إن شاء الله تعالى في مقامه.