بقي الكلام في أن النبي ﷺ هل جُمع له بين الكلام والرؤية ليلة المعراج أو كانت الرؤية بدون الكلام والكلام من وراء حجاب؟ فالله أعلم به. نعم، التفسير المذكور يُبنى على الفصل بينهما، فإن قوله: ﴿مِن وَرَآء حِجَابٍ﴾ حينئذٍ يدل على أنه لم تكن وقت الكلام رؤية، بل حصل له الكلام بدون الرؤية. وإن قلنا بالجمع له بين الرؤية والكلام أي كانا معًا، فالجواب على حديث مسلم أن الرؤية أيضًا كانت في الحجاب: «عن أبي موسى: أن حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
وفي «القاموس»: سبحات وجه الله: أنواره. فعُلم منه أن الحجاب لا يُكشف، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه. فالرؤية في الحجاب، والحجاب هو النور.
[ ١ / ٩٠ ]
وعند مسلم (١) «نورٌ أَنَّى أراه»؟ يؤيده فإنه لا ينفي الرؤية مطلقًا، ولكنه ينفي اكتناهه والإحاطة به والتحديق إليه ورؤيته متمكنًا؛ فإن كمال النور يمنع الإدراك، وحينئذٍ لو كانت بدون الحجاب لأمكن أيضًا. فالنبي ﷺ حصل له الرؤية ألبتة، ولكنها كانت رؤية دون رؤية، وهي التي تليق بشأنه تعالى؛ فإنه لا يمكن لأحد أن يتقرر بصره على وجهه تعالى، وهو العلي العظيم، فإن مهابة كبريائه مانعةٌ عن النظر إليه متمكنًا، ولكنه رؤية دون رؤية، كما يتيسر لنا لأحد من الكبراء في الدنيا بطريق مسارقة النظر.
ولذا ترى الألفاظ فيها واردة بالإيجاب مرة والنفي أخرى. ولا تريد أن تؤدي تلك الرؤية في العبارة إلا جاء التعبير هكذا موجبًا مرة ونافيًا أخرى. ونظيره قوله تعالى: ﴿وما رميتَ إذا رميتَ ولكنَّ الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] فجاء فيه النفي والإثبات معًا، فهكذا أمر الرؤية. والحق أن المعاملات الربانية كلها لا توفيها الألفاظ كما هي، فيحدث هذا العُسر لضيق نطاق البيان. فاختلاف الإثبات والنفي ليس تنافيًا وتضادًا، بل كل منهما أحد طرفي المراد. وإذا هو رؤية المتأدب، ورؤية بين رؤيتين، ورؤية دون رؤية. فلو شئت أن تثبتها أثبتها، ولو شئت أن تنفيها نفيتها، لا بمعنى أنها لم تحصل، بل بمعنى أنها رؤية تتحمل الإثبات والنفي معًا.
وحينئذٍ لو كان لفظ مسلم: «نُورٌ أَنَّى أرَاه» لصح أيضًا، فإنه رأى ربه ألبتة وكان نورانيًا. وقد وقع إطلاق النور عليه في القرآن أيضًا: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: ٣٥]. ولكن هذا أيضًا رؤية دون رؤية، فإن شئتَ أثبتها وقلت: كان نورانيًا حين رآه. وإن شئتَ نفيتَ عنه وقلت: «نور أنَّى أراه» فإنها ليست رؤية بتمامها وكمالها. وفي لفظ: «رأيت نورًا» وهذا أيضًا يحتمل المعنيين: أي رأيت نورًا فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها. أو رأيت ذاتًا منورًا. وقد فهم الناس التقابل بين هذين الاحتمالين، وهما عندي واحد، فإن الرؤية التي حصلت
_________________
(١) قال بعض المحققين في شرحه على منظومة في العقائد: أن الإدراك في قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ في أحد تفسيري ابن عباس ﵁: هو الرؤية على نحو الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول ومن المعلوم أن الرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقا من الرؤية المطلقة، فلا يلزم من نفيها نفي المطلقة وثاني تفسيري ابن عباس ﵁: أن لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره فإنه إذا تجلى بنوره الذي هو نوره لا يقوم له بصر، لأن هذا التجلي مغنٍ للمتجلَّى له، كما يشير إليه حديث أبي موسى حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، بخلاف التجلي الشمسي والقمري أي التجلي في النور الوارد في حديث: "هل تضارون في الشمس" إلخ "هل تضارون في القمر" اهـ. فإنه لا يغني المتجلى له، فيتمكن من الرؤية وعلى الأول يحمل حديث أبي ذر ﵁: "نور أنى أراه" وكذلك حديث عائشة ﵂ في نفيها الرؤية، يحمل على نفي الرؤية لهذا النور، لا مطلقًا. ويحمل حديث أبي ذر ﵁ أيضًا عند مسلم: "رأيت نورًا" على التجلي في نور يقوم له البصر أي التجلي الشمسي أو القمري إلخ ص ٣٠٦. قلت: وإن كان الجمع بين الحديثين يحصل منه أيضًا، لكن ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في وجه الجمع الطف منه؛ فإن الرؤية عنده رؤية يتأتى فيها الإثبات والنفي معًا، لكون رؤيته دون رؤيته.
[ ١ / ٩١ ]
له ﷺ كانت رؤية حقيقة وأمكن أن تكون بدون الحجاب أيضًا، إلا أن مهابة الكبرياء مَنَعَ التحديق إليه، فصارت بين بين، وكان كما قيل:
*فبدا لينظرَ كيف لاحَ فلم يُطِق نظرًا إليه وردَّه أشْجَانُه
ولكنه ﷺ تشرَّف برؤيته تعالى، ومَنَّ عليه ربُّه بها وكرَّمَه، وتفضَّل عليه بنوالِهِ، وأفاضَ عليه من أفضاله، فرآه رآه كما قال أحمد رحمه الله تعالى مرتين. إلا أنه رآه كما يرى الحبيبُ إلى الحبيب، والعبد إلى مولاه، لا هو يَمْلِكُ أن يَكُفَّ عنه نظرَه، ولا هو يستطيع أن يُشِخص إليه بَصَرَه. وهو قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ فالزيغ: أن يتغافل عن جمال وجهه، فلا يراه مستجمَعًا. والطغيان: أن يراه، ولكن يتجاوز عن حَدِّه، فيقع في في إساءة الأدب. وهذا إثبات لرؤيته في غاية اعتدال. فالحاصل: أنها كانت بحيث لا يصفُها واصف، أمَّا أنَّها كيف كانت؟ فلا تَسأل عنها، فإنها كانت وكانت.
*أَشْتَاقُهُ فإذا بَدَا أطرقتُ من إجلالِهِ
ولو كانت (١) رؤية منام لما احْتِيج إلى تلك الاحتراسات.
ومن ههنا اختلفوا في نفس الرؤية لعامة المسلمين في الجنة. هل تحصل برفع الحجاب؟ أو تكون في الحجاب؟ فجنح الشيخ الأكبر إلى أن رداء الكبرياء لا يُرفع في الجنة أيضًا، فإن المرئي في الرداء يُعَدُّ ذاتُهُ مرئيًا عُرفًا، كما لو رأيت رجلًا في ملبوس، لا تقول إلا أنك رأيتَ ذاته حقيقة. ولا يُشترط لرؤية الشخص رؤيته مجردًا عن اللباس. وإنما يكون المراد منه ما هو المعروف، والمعروف فيها ما قلنا. فكذلك الله سبحانه يكون مرئيًا البتة، إلا أن رؤيته تكون في رداء الكبرياء عنده، وهي التي بَشَّر بها الله سبحانه عبادَه بالغيب. وذهب العلماء إلى أنها تكون برفع الحجاب، على ما وقع من تشبيه رؤيته برؤية القمر ليلة البدر. وهذا التشبيه لا يَرِدُ على ما اختاره الشيخ، كما سبقت الإشارة إليه، فإن المراد في الأحاديث من عدم الحجاب عنده، سوى
_________________
(١) وقد أجاب الشيخ رحمه الله تعالى عما روى أن المعراج كان منامًا ما حاصله أن الأنبياء ﵈ يرون في اليقظة ما يروه العامة في المنام، ونظيره أن الأولياء يرون في كشوفهم أشياء بعين الباصرة ولا نراها، كذلك الأنبياء ﵈ يرون المغيبات بأعين الباصرة في اليقظة إلا أنها لما تكون غائبة عن حسنا وباصرتنا يعبر عن حسنا وباصرتنا يعبر عن رؤيتهم تلك بالمنام لأن النائم أيضا يرى أشياء ولا نرها، فلما اشتركت رؤيتهم في اليقظة برؤية النائم في نومه عبر عنها بالنوم تارة وبالرؤيا أخرى ولا لفظ يؤدي مؤداه، يكشف عن مغزاه غيره وهكذا كان يحققه منذ زمان ثم رأى مثله عن السيوطي رحمه الله تعالى في تنوير الحوالك فرضي به جدًا. وبالجملة هناك كيفيات يضيق عنها نطاق البيان ولن يفقهها إلا ذووها، ولهذا العسر تراهم يختلفون في الرؤية ليلة المعراج لكونها رؤية المغيبات بعين الباصرة، وتلك الرؤية لا لفظ لها، فقد يعبر عنها بالنوم، وتارة بالرؤيا، وأخرى بالرؤية فيحدث الانتشار. ومن هذا الباب قوله تنام عيناي ولا ينام قلبي كلها كيفيات يذوقها صاحبها ويشهد له ما في المشكاة في باب فضائل سيد المرسلين، وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، ص ٥١٣، ففي اللمعات ينبغي أن الرؤيا على الرؤية بالعين. قلت وإنما اضطر إلى حمله على الرؤية بالعين لأنه زعم أن الرؤيا تختص بالنوم وقد كشف شيخي عن معناها، فالحديث دليل له لا أنه يحتاج إلى تأويل.
[ ١ / ٩٢ ]
حجابه الذي هو نورده ورداؤه الكبرياء، والرؤية مع الرِّداء رؤيةٌ للذات عرفًا وشرعًا بلا تأويلٍ وتأمل.
قلتُ: وليس هذا اختلافًا وإنما هو اختلاف الأنظار، ونَظَرُ العلماء أحكم، ونظر أرباب الحقائق أسبق وألطف، فهم يُمَثِّلون على ما يظهر من ظاهر الشريعة، وهؤلاء يراعون ما كَشَفَ الله سبحانه عليهم من حقائق الشريعة وخبيثة أسرارها. وفي الحديث: «لكلِّ آيةٍ ظهر وبطن، ولكلِّ حدَ مطلع». والأمر إلى الله سبحانه. وسيجيء بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى في موضعه في آخر الكتاب.
ولعله ﷺ تشرَّف بالإيحاء أولًا، ثم انتهى الأمر إلى الرؤية، وكانت عِيانًا. ولذا انتقل إلى تحقيقه وتثبيته في سورة النجم. ولم يكن في الإيحاء أمر بديع في حقه، فذكره كأنه أمرٌ مفروغٌ عنه. وإذا نزل إلى ذكر الرؤية أكَّده بأنها كانت بالفؤاد والعين معًا. وكانت بدون الطغيان والزيغ. وهذا على نحو ما وقع لموسى ﵊: الكلام أولًا ثم الرؤية ثانيًا. ولكنه رآه تعالى ثم غُشي عليه؟ أو لم يره وغَشِي قبله. فأمرٌ يعلمه الله سبحانه، إلا أن نبينا ﷺ رآه قطعًا (١) ولم يُغْشَ عليه، ولكن خَرَّ ساجدًا كما كان يليق بهذا الوقت، وبقي صاحيًا لم يأخذه غَشْيٌ، مؤدِّيًا وظيفة العبودية، مؤدَّبًا في حضرة الربوبية.
فانظر كيف ذَكَرَ رؤيتَه حيث لم يجعلها مقصودة بالذكر؟ فكأنها أمرٌ مما لا يُنكر، إذ كان ﷺ دُعِي لذلك، وإنما اهتم برفع ما يمكن أن يقع فيه من اشتباهات، فأزاحها وأكدها بما لا مزيد عليه، فنفى عنه: الضلال، والغِواية، والنُّطق عن الهواء، والزيغ، والطغيان، وذَكَرَ عِلْمَه، وحال معلِّمِهِ، والمباسطة بينهما، وأثبت له الرؤية بالفؤاد، والعين، وأنه قد تصادقا عليه، فما رآه البصر صدَّقه الفؤاد ولم يكذبه، ولا تردد فيه، وما ذاك إلا لأنها كانت رؤيةً بصريةً يَقَظَةً. ﴿فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ولكن ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] والله تعالى أعلم.
ثم لنرجع إلى ما كنا بصدده ونقول: إن قوله: ﴿مِن وَرَآء حِجَابٍ﴾ إشارة إلى النوع الثاني.
_________________
(١) قال بعض المحققين في شرحه على المنظومة في العقائد في تفسير قوله تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه سوف تراني أي وأنت على حالتك هذه من غير الصعق، ومفهومه وإن لم يستقر مكانه فلن تراني وأنت على حالتك هذه بل لابد من الصعق فلما تجلى ربه للجبل الذي هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد الله المستلزم لحياته وعلمه جعله دكًا (مفتتا) فلم يستقر مكانه فلم يتحقق شرط الثبات على حالته التي كان عليه ولذا خر موسى صعقا مغشيا عليه أو ميتًا فعلى هذا بقية الآية دليل وقوع الرؤية لسيدنا موسى بعد دلالة أولها على جوازها والله أعلم. ووجه الجمع حينئذ بينه وبين قوله ﷺ: "أن الله أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود". أخرجه ابن عساكر عن جابر كما في الجامع الكبير للسيوطي هو أن الرؤية التي أعطاها الله لنبينا ﷺ عدد خلقه، هي الرؤية مع الثبات على الحالة التي كان عليها قبل الرؤية، كما أن الكلام الذي أعطى موسى كذلك بخلاف الرؤية التي حصلت لموسى فإنه لم يثبت معها وصارت سببًا لصعقة.
[ ١ / ٩٣ ]
وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ إشارة إلى النوع الثالث مع قَسِيمَيْه. فإن قلت: إذا قال في الثالث: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ فهذا وحي، والأول أيضًا كان وحيًا، فلم يستقم التقابل بين الأقسام. قلتُ: بل الأول وحي، وهذا إيحاء، وبينهما فرق، فإنه جاءت المعهودية الشريعية في الوحي، وهو ما عُرِف نزولُه على الأنبياء، يَعْرِفون به شريعتهم، بخلاف الإيحاء، فإنه على صَرَافة اللغة كالنبوة والنبي، فإن النبوة على صرافة اللغة فيقال: قد نبأنا الله من أخباركم، ولا يقال: إنه نبي ذلك. ولهذه الدقيقة نُسِب الإيحاء إلى غير الرسل أيضًا. بخلاف الوحي فقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ .. إلخ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]. فالإيحاء ههنا على اللغة بخلاف الوحي، فإنه لم يُستعمل إلا في شأن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. وأيضًا إنما صح التقابل بينهما لأن بينهما عمومًا وخصوصًا. فإنهما يشتركان في التسخير ويختلفان بمجيء المَلَك في الثالث دون الأول.
ولذا جمع ههنا بين الإرسال والإيحاء فقال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ﴾ إلخ. ففي هذا النوع إيحاء أيضًا، إلا أنه بتوسط المَلَك. والحاصل: أن الله سبحانه لا يُكَّلَم مشافهة، ولا يليق بشأن العبد أن يكلِّمه عِيانًا، فإما يكلمه خُفْيَةً، أو مِن وراء حجاب، أو بتوسط المَلَك. أما الفرق بين الكشف والإلهام، فكما قال الشيخ المُجَدِّد السَّرْهَنْدِي: إن الكشف أقرب إلى ما سمَّوه أهل المعقول بالحِسِّيات، والإلهام إلى ما سمَّوه بالوجدانيات، ولعل الإلهام أقرب إلى الصواب من الكشف، فإن الكشف: رفع الحجاب عن الشيء، والإلهام: إلقاء المضمون.
٢ - (أحيانًا يأتيني) وفاعله باعتبار الظاهر هو الوحي. ولكن المصنف (رواه) بوجه آخر عن هشام في بَدْء الخلق قال: «كل ذاك يأتي المَلَك». ويُعلم منه أن الفَاعل بالحقيقة هو الملك. والصلصلة قيل: هي صوت المَلَك بالوحي، وقيل: هي صوتُ حَفِيْفِ أجنحة المَلَك، وعليه اعتمد الحافظ.
٢ - (مثل صلصلة الجرس) والصلصلة: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، ولا يَرِدُ أنه تشبيه محمودٍ بمذموم، فإن التشبيه لا يلزم فيه التساوي من جميع الوجوه، بل يكفي اشتراكهما في صفة. ووجه الشَّبه ههنا هو تدارك الصوت بدون مبدأ ومقطع، فكما أن صوت الصلصلة والسلسلة متدارك ومسلسل، كذلك صوت الوحي يكون بسيطًا بدون مبدأ ومقطع. وهذا بخلاف أصواب البشر، فإنه ينطوي على مبادىء ومقاطع، فهذا هو وجه الشبه. وما ألطف ما قال الشيخ الأكبر: إن صوت الباري جل ذكره يُسمع من كل جهة، ولا تتعين له جهة. وصوت الصلصلة أيضًا كذلك، فوجه الشَّبه حينئذٍ مجيئُهُ من جميع الجوانب ومن جميع الجهات. ونُقِل أنَّ موسى ﵇ كان يسمع كلامه تعالى على الطُّور من كل جهة.
ولذا أقول: إن الصلصلة هي صوت الباري تعالى على خلاف ما اختاره الشارحون.
واعلم أن ههنا مطلبان:
الأول: ثبوت الصوت للباري تعالى ولا تردد لي في ثبوته، ولكن لا كأصوات المخلوقين ﷾. واختاره البخاري أيضًا في آخر كتابه.
[ ١ / ٩٤ ]
والثاني: أن تلك الصلصلة هل هي صوت الباري عَزَّ اسمُهُ أم لا؟ وأختار فيه من عند نفسي أنها صوت الباري تعالى، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
والسِّرُّ فيه أن ذلك الصوت ثابت في ثلاثة مواضع: عند صدوره من الحضرةِ الربوبية، وعند تلقِّي المَلَك، وعند إلقائه على النبي. فمبدؤه من فوق العرش ومنتهاه إلى النبي، وليس مقصورًا على هذا الموضع فقط، فينبغي أن لا يُغْفَلَ عنه، فإنه يتحدس منه أنه شيء واحد من هناك إلى ههنا. ويُستفاد من كلامهم أنهم قَصَرُوا ذلك الصوت على الموضع الأخير فقط، فحكموا عليه أنه صوت أجنحة الملائكة. وفي حديث النَّواس بن سمعان عند الطبراني وأخرجه الحافظ في باب قول الله ﷿: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَعَةُ﴾ [سبأ: ٢٣] تحت حديث أبي هريرة ما نصه: «أَخَذَتْ أهلَ السمواتِ منه رَعْدَةٌ، خوفًا من الله، وخَرُّوا سُجَّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل فيكلمه الله بما أراد» اهـ.
(وبالجملة): الصوت هو صوت الباري تعالى. ويجيء الكلام في ثبوت الصوت وسائر صفاته تعالى في آخر الكتاب مبسوطًا إن شاء الله تعالى.
ثم إن هذا الصوت هل يبلغ إلى النبي بعينه كما يبلغُ إلى أهلَ السموات؟ أو يتلقاه المَلَك ويحفظه كما تُحفظ الأصوات في الألواح المعروفة اليوم: - بما يسمى بالفونوغراف ٠؟ فأمرٌ يدور النظر فيه. ولم يتعرَّض إليه الحديث. فلذا اكتفيت بقدر ما أثبته الحديث، وكففت عما سكت عنه الحديث. فإن قلتَ: في إثبات الصوت تشبيهٌ؟ قلتُ: كلا، فإنه صوتٌ بحيث لا يُشبه أصوات المخلوقين، فلا تشبيه. والتنزيه عند أهل السنة ليس كتنزيه الفلاسفة. وكذا التشبيه عندهم ليس كتشبيه المُشبِّهة. بل نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) فنفى المِثليَّةَ وأثبتَ السمع والبصر بدون تأويل وتشبيه، فليس ربُّنا مجردًا عن السمع والبصر منزهًا عنهما كما زعمه عقلاء الفلاسفة، ولا مشبَّهًا سمعُهُ بسمعنا، وبصَرُهُ ببصرنا، كما توهمه جهلاء المشبِّهة، وإنما أمرنا بين التَّعطيل الصِّرف والتشبيه البحت كما قال الشيخ الأكبر:
*فلا تَنْظُر إلى الحقِّ وتَعْرُوهُ عن الخَلْقِ
*ولا تنظر إلى الخلق وتَكْسُوهُ سوى الحقِّ
*ونَزِّهْهُ وَشَبِّههُ وقُمْ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ
وترجمةُ قوله: ونَزِّهْهُ وشَبِّهْهُ: (أور تنزيه كي جااور تشبيه دائى جا)
(وهو أَشَدُّه عَلَيّ) ولمَّا كان في هذا النوع تسخيرٌ لباطنِهِ وانسلاخٌ عن بعض أوصافه، كان شديدًا من سائر أنواعه، وإن كان الوحيُ كلُّه شديدًا. وهو إشارة إلى النوع الأول: (فَبَفْصِم عني) إي إذا انقطع الوحي فيُقْلِع ويَتَجلّى ما قد غشيتني من الشِّدة. (وقد وَعَيت عنه ما قال) إنما جاء بصيغة الماضي إشارة إلى مزيد التثبُّت فيه، ودفعًا لِمَا قد يختلجُ، من أنه إذا كان مثل الصَّلصلة فلعله لا يَفْهَمُ معناه، أو يتعسَّر فهمُهُ، فأزاحه أنه كان يَعِيهِ ويحفظه بدون تردد، وإنما التشبيه لمعنى آخر.
[ ١ / ٩٥ ]
(وأحيانًا يتمثل) إلخ إشارة إلى النوع الثالث. ولعل العسر لو كان فيه لكان على جبريل ﵇، بعكس ما في الأول، لأنه هو التاركُ لصورته الأصلية، والنازلُ إلى الصورة البشرية، وترك النَّشأة هو الموجب للعسر والشدة. وإنما لم يذكر الثالث لنَدْرَته وكونه مخصوصًا في الإسراء. فإن قيل: كيف تَمثُّلُه مع عِظَمِ جُثَّته؟ قلت: هذا أمر لا ندخل فيه، ونؤمن حقًا بما أخبر به نبينا ﷺ وهو كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
وسئل إمام الحرمين عنه في الطواف، فأجاب بما تفصيله من «الفتوحات»: إن الأرواح على نوعين: طيبة، وخبيثة. فالأُولى: الملائكة، والثانية: الجِنّ، ثم جعل الشيخ ﵀ الملائكة، والشياطين، والنفوس الناطقة الإنسانية عالمًا برأسه. وسمّاه: عالم الأرواح، وقال: إن أشياء هذا العالم تتمكن أن تتصور بصور متنوعة، وتتشكَّل بأشكالٍ مختلفة، وتَكْبُر ما كانت صغيرةً، وتَصْغُر ما كانت كبيرةً، بلا زيادة أمر ونقصانه، بخلاف الأجساد، فإنها لا تتمكن أن تتغير بتلك التغيرُّات، وهذه المسألة تسمى اليوم: بتجسد الأرواح، وتروُّح الأجساد.
قلتُ: وهكذا قال الصدر الشِّيرازي، وهو صوفي شيعي لا يَسُبُّ الصحابة ﵃، ولكنه يُسيىء الأدب في شأن الأشعري والرازي، وذكر أن أرواح المرتاحين ﵃، تقدر على ذلك. قلتُ: ولا أعلم أحدًا من علماء الإسلام قال بتشكّل أرواح الإنسان غير الشيخ الأكبر (١).
(فأعي ما يقول وقوله: (وعَيْتُ) يدلّ الثاني على الفهم مع الصوت، والأول على الفهم بعده، كما هو الطريق المعروف عند مخاطبة رجل برجل. والفرق ما أشرنا إليه. (لَيَتَفَصَّدُ) مأخوذ من الفَصْد: وهو قَطْع العِرق لإسالة الدَّم. شُبِّه جبينُه بالعِرْقِ المفصود مبالغةً في كثرة العَرَق. وفي قولها بيان لما رأته من الشدة، ودَلالة على كثرة معاناة التَّعب، لما في العَرَق في شِدَّة البرد من مخالفة العادة. وقد وردت في بيان نقله أخبار، فلتُطْلَب من مواضعها. والله تعالى أعلم.