واعلم أنه اختُلف في أول ما نزل من القرآن، فقيل: وهو الصحيح: أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ﴾، وهو الظاهر من هذا السياق، وله أدلة أخرى، مذكورة في موضعها. والقول الثاني: ﴿يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ﴾، ويُؤيده ما في الصحيحين، عن أبي سَلَمة عن جابر: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحِراءَ جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زمِّلوني فدثَّروني، فأنزل الله: ﴿يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ﴾.
_________________
(١) قلت يؤيده ما عنده الحافظ في التفسير رواية قال: أتاني جبريل نمطًا من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، قال السهيلي: قال بعض المفسرين: أن قوله آلم ذلك الكتاب إلخ، فيه إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل، حيث قال له اقرأ.
(٢) فلما قال ثلاثًا ما أنا بقارىء، قيل له اقرأ باسم ربك، أي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومضمر الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت ذكره السهيلي كذا في الفتح.
[ ١ / ١٠٠ ]
والجواب عنه بوجوه، منها: أن المراد منه نزولُهَا بعد زمنِ الفترة، كما يؤيده السياق. وقوله: فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء أيضًا يدلُّ على سابقيةِ عَهدٍ وتقدُّم خبرٍ. ومنها: أنه اجتهاد من جابر وليس مرفوعًا، وهو الأصوب عندي. والتوفيق عسير جدًا، وبه قال الكرماني كما في «الفتح» في سورة المدثر. والقول الثالث: الفاتحة، وله مُرْسَل عند البيهقي. قال البيهقي: إن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه «اقرأ» و«المدثر» (١).
والجواب أن يُلْتَزَمَ بتعدُّدِ نزولها، فلعلها نزلت أولًا بغير صفة القرآنية، ونزلت أخرى بصفتها. وفي «الإتقان» رواية في ترتيب السور مسلسلة بأئمة النحو، فأمعنت فيها النظر، فبدا لي أنه قد سرى في هذا الباب اجتهاد، فالطرد والعكس عليه مشكل. ثم ههنا نُكتةٌ نبّه عليها الحلبيُّ في سيرته، وكأنه أراد منها تأييدًا لمذهب الحنفية أن الفاتحة إذا لم تنزل أولًا، فكيف يكون حَال الصلوات عند من جعلوها ركنًا.