وإذا قد علمت أن التَّصديقَ والتسليمَ والمعرفةَ واليقينَ كلُّها يُجَامِعُ الجحود، فلا بد من تفسير يتميز به الكفرُ من الإيمان. كيف وهذا القرآن يشهدُ بمعرفة الكفار، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] وهذا أبو طالب يُقِرُ بنبوتِهِ ونباهته ﷺ ويُعْلنُ بها في أبياته، حتى دارت وسارت، فيقول:
[ ١ / ١٢٥ ]
*ودعوتَني وزعمتَ أَنَّكَ صادِق وصدقت فيه وكنت ثَمّ أمِينًا
*وعرفتُ دينَك لا محالةَ أنه من خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِينا
*لولا الملامةُ أو حَذَارِ مَسَبَّةٍ لوجدتَّني سمحًا بذاك مُبِينًا
وهذا هرقل عظيم الروم يقول: لو أني أعلم أني أَخْلُصُ إليه لتجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغَسَلْتُ عن قدميه، وفي «فتح الباري»: عن مرسل ابن إسحق عن بعض أهل العلم: أن هرقل قال: ويحك، والله إني لأَعْلَمُ أنه نبيٌ مرسل، ولكني أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعتُهُ. فهل تريدُ من التصديق أمرًا وراء ذلك؟ فلما وُجِد منهم التصديقُ والتسليمُ والإقرارُ بهذه المثابة، وَجَبَ على التعريفِ المذكورِ أن يُحْكم عليهم بالإسلام، مع اتفاقهم على كونهم كافرين.
فأقول: إنّ الجزءَ الذي يمتاز به الإيمان والكفر، هو التزام الطاعة (١) مع الردع والتبري عن دين سواه، فإذا التزم الطاعة فقد خرجَ عن ضلالة الكفر ودخل في هَدْي الإسلام. وحينئذٍ تبين لك وجه كفر هؤلاء الكفرة مع تصديقهم ومعرفتهم، وذلك لأن أبا طالب وإن أعلن بحقية دينه، إلا أنه لم يلتزم طاعته، ولم يدخل في دينه، ولذا قال: لولا الملامة أو حذار مسبة إلخ، فآثر النار على العار. وهكذا هِرَقل، وإن تمنى لقاءه وَبجَّلَه وعظمه بظهر الغيب، لكنه خشي الرومَ أشدَّ خشية، فلم يلتزم طاعته. وكذلك حال الكفار الذين أخبر الله سبحانه عن معرفتهم، فإنهم مع معرفتهم الحقَ، صفحوا عن كلمة الحق، ولم يَدِينُوا بدين الإسلام.
ولذا أقول: إن الإيمان من الإرادات وترجمته في الهندية (ماننا) فهذا هو الصواب في تفسيره، فقد نقل الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماعَ على كون هذا الجزء مما لا بد منه في باب الإيمان، وحينئذٍ ينبغي أن يراد من الإقرار في قول الفقهاء: الإقرار بالتزام الطاعة. وإن كان المراد منه الإقرار بالشهادتين كما هو المشهور، يبقى الإشكال.
ثم إنهم اكتفَوا بذكر هذه الأشياء، وفسروا بها الإيمان، لأن الإيمانَ بعد تحقُّقِها يتحققُ في أكثر المواد، وإن تخلَّف عنها في بعض، فبالنظر إلى مواد الاجتماع، جعلت كاللوازمِ المساوية له. وزعم أنها عين الإيمان، ثم إذا أمعنتَ النظرَ في مادة الافتراق وعلمت أنها ليست بإيمان ولا لوازمَ مساوية له، وجب عليك أن تطلبَ أنَّ حقيقةَ الإيمانِ ماذا؟ فهذا الذي نبهناك عليه، هو حقيقة الإيمان، وذلك وإنْ لم يقرع سمعُكَ، لكنه هو الصواب إن شاء الله تعالى، فإن هذا الجزء لا يجامعُ الكفرَ بأنواعه، أي نوع كان.
_________________
(١) قلت: ومحصل البحث أن الإيمان هو الاعتمادَ والوثوقَ بالرسول في كل ما جاء به علمًا وعملًا، ومن ههنا قال النبي - ﷺ -: "لا إيمان لمن لا أمانة له". فإن الأمانةَ أيضًا عبارة عن وصف به يعتمِدُ الناس، وبه يثقون على أحد، فمن لا تكون فيه تلك الصفة فيما بينه وبين العباد، كيف يحصل له الإيمان، وهو صفة الاعتماد فيما بينه وبين الله ورسوله؟ فعمدةُ الإيمان هو الوثوق والاعتماد على الرسول، ولذا قالوا: إن رجلًا لو أذعن بكل الشرائع، بَيْدَ أنه لا يعتمد على الرسول -ولكنه حققها من عند نفسه كسائر التحقيق- فهو كافر قطعًا، نعم، إذا وثق بالرسول أذعن معتمدًا عليه، فذلك هو الإيمان. وهذا هو وجه الاشتراك بين الأمانة والإيمان، فافهم.
[ ١ / ١٢٦ ]
ونُقِل عن إمام الحرمين رحمه الله تعالى وعن الأشعري رحمه الله تعالى أيضًا كما في «المسايرة»: أنّ الإيمانَ كلامٌ نفسيٌ، وكأنهم أرادوا به: أن القلب إذا تكلَّمَ بكلمة الشهادةِ وأذعن بها فقد تم الإيمان، لأنه لا يمكن منه الجحود بعده، بخلاف الإقرار باللسان، فإنه يمكن الجحود بعده أيضًا. فالإيمان على هذا التقدير ليس عِلمًا من العلوم، بل قول من أقوال القلب. فقول القلب تصديقٌ وإيمان عندهم، وقول اللسان إقرار. ويمكن أن يُحْمَل عليه قول مَنْ قال: إن الإيمانَ قولٌ وعملٌ. ولست أريدُ أنّه مراد البخاري رحمه الله تعالى أو المحدثين، بل أريدُ أن له وجهًا أيضًا. وأما ما نُقل عن (١) إمامنا رحمه الله تعالى: أن الإيمان معرفة.
فالمراد منه المعرفةُ المصطلحةُ عند الصوفية رحمهم الله تعالى، وهي التي تحدثُ بعد الرياضات، وهي الإيمان الكامل. وتلك لا تجامِعُ الجحود أصلًا، بل قلما توجد في قلوب عامة المسلمين، وليس المرادُ منها المعرفة اللغوية ونحوه.
نُقل عن علي ﵁ وأحمد ﵀: أن الإيمان معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأما ما شَرَطَه جَهْمٌ، فقد ردّ عليه إمامنا ﵀، كما نقله أصحابنا، فالمراد من المعرفة ما يستوجب العمل، لا التي تجامع الجحود أيضًا، وهي التي تراد في مواضع المدح، وهي التي من الأحوال والأعمال.
أما الإيمان أو المعرفة إذا أطلق على غير هذا مما لا يكون معتبرًا، فيُحْترسُ هناك ولا يُتركُ بدون تنبيه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فنبَّه أن إيمانهم غير معتبرٍ. ثم اعلم أنه أطلق في «الإحياء» الحال على الإيمان. أقول: والأولى لفظ العمل، لأن العمل في اللغة يختص بالاختياري وأما ما يقال: «مات زيد»، فمات فعلٌ، فهو اصطلاحُ النُّحاة. وأما أهل اللغة فلا يُسمُّونَه فعلًا، وإنما الفعلُ عندهم ما يصدر عن اختيار، فالإيمان فعلٌ اختياري، ولا بُدٌّ، فإن المرء لا يُثاب إلا على ما فعله من اختياره، بخلاف الحال، فإنه يُنبىءُ عن عدم الاختيار، ثم له وجه أيضًا، فإن الإيمان وإن كان عملًا في الابتداء، لكنه بعد الرسوخ يصيرُ حالًا غير اختياري، فإطلاق الحال عليه أيضًا صحيحٌ بنحو من الاعتبار.
وعن أحمد ﵀: أنه معاقدةٌ على الأعمال، أي الإيمان عقدٌ، على أنه التزامٌ بأداءِ جميع الأعمال على نفسه. أقول: وحينئذٍ يكون الإيمان كالوسيلة، والأعمال مقصودة، فإن العقد
_________________
(١) نقله الإمام الحارثي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأورد عليه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الإيمان كيف يكون معرفة، مع أنها حاصلةٌ للكفار أيضًا؟ ثم لما رُوي ذلك عن أحمد رحمه الله تعالى أيضًا، جعل يؤوِّل فيه ويطلبُ له محامل. قلت: ليته فَعَلَ مثله في مَقولةِ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أيضًا واعلم أن "المسند" للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لم يجمعْه هو بنفسه، بل جمعَه بعض الأئمة بعده، ويبلغ إلى خمسة عشر. وأحدُ جامعيه هو هذا الحارثي. انتهى. هذا تقريب ما في تقرير الفاضل عبد القدير الكاملفودي مع تهذيب.
[ ١ / ١٢٧ ]
وسيلةٌ، والمقصودُ هو المعقود عليه، مع أن الإيمانَ من أسنى المقاصد، وبعد اللُّتيا والتي أن الإيمان تصديقًا اختياريًا كان، أو معه تسليم، كلامًا نفسيًا كان، أو معرفة، أو معاقدة، لا يفنك عن هذا الالتزام، والطاعة له ﷺ في جميع ما جاء به. فأما أن يراد بألفاظهم هذا، أو يُزادُ عليها هذا الجزء. بقي إصلاح الاصطلاحات والألفاظ، فهذا أمر نَكِلُهُ إليك، ولسنا بصدده بعد وضوح حقيقة الحال. والله تعالى أعلم وملمُهُ أتم.