وقد جوَّز الغزالي رحمه الله تعالى بينهما النِّسبَ الثلاث من الأربع، غير العموم من وجه، باعتبارات مختلفة، ويقرُب منه ما قال الدَّوَّاني: أن الإسلام هو الانقياد الظاهري، وهو التَّلفظ بالشهادتين، والإقرار بما يترتب عليهما. والإسلام الكامل الصحيح لا يكون إلا مع الإيمان، والإسلام الظاهري قد ينفك عن الإيمان، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وأما الإسلام الحقيقي المعتبر عند اللَّهِ فلا ينفكُ عن الإيمان. وما وَضَحَ لدي: أن الإيمان يتدرج من القلب إلى الجوارح، على عكس الإسلام، فهما في مسافة ذهابًا وإيابًا، فإن ظهر الإيمان على الجوارح، ورسخ الإسلام في القلب فهما واحد، وإن بقي الإيمان في القلب واقتصر الإسلام على الجوارح فهما متغايران (١).
وأعني باتحادِ المسافة وسراية الإسلامِ إلى الباطن نسبةَ الإحسان. كما سيجيء في حديث
_________________
(١) قلت: وفي رواية للشيخين: قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح، كذا في "المشكاة" في الفصل الثالث من باب قسمة الغنائم والغلول فيها. لا أريدُ أنه فصل في الباب، بل هو نَظَرٌ من الأنظار، ووجه من الوجوه. وانما اعتنيت به لكونه عن عالم جليل القدر، الذي طار صيتُه إلى الآفاق.
[ ١ / ١٤٢ ]
جبريل: «أن تعبد الله كأنك تراه» فالعبادةُ التي هي من الجوارح، إذا حصلت بحيث يجد العبد ربه بمرأى عينيه، فهذه أمارة على اتحاد المسافتين، فإن تلك الرؤية من صفةِ القلب، فإذا اجتمعت تلك الرؤية مع خشوع الجوارح، فقد اتحدت المسافتان، وحينئذٍ صار إيمانُهُ عينَ إسلامه، وإسلامهُ عينَ إيمانِهِ، لا فرق بينهما، وإلا فالإسلام على جوارحه والإيمان في قلبه، لم يسر ذلك إلى باطنه، ولم يَرْق هذا إلى ظاهره، والله تعالى أعلم بالصواب.
وإذ قد فَرَغنا من بحث التصديق، وأنه علمٌ أو عمل، يزيد وينقُصُ، أو لا، وإن محله ماذا؟ إلى غير ذلك من المباحث، فالآن نذكر: معنى الضرورة، والتواتر وماذا أراد منهما المتكلمون، وماذا قصَّر فيه القاصرون، فنقول: