بقى الكلام في أن استقبالَ بيت المقدس كان من الاجتهاد، أم من الوحي، فحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في «هداية الحيارى» أن مكةَ شرفها الله وبيتَ المقدس كانتا قبلتين من قبل، وكان إبراهيم ﵊ عيَّنهما، فالقبلتان إبراهيميتان. وذهب جماعة (١) إلى أن
_________________
(١) وفي "حاشية جامع البيان" عن "بدائع الفوائد" -واليهود كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة- كذا في "مشكلات القرآن" للشيخ ﵀، ص ٤٠.
[ ١ / ٢٠٧ ]
بيت المقدس لم تكن قِبلة قط، وإنما كان بنو إسرائيل مأمورينَ باستقبال التابوت في صلواتهم، ولم تكن لهم جهة متعينة لصلواتهم، وإنما كانوا يستقبلون بيت المقدس من عند أنفسهم، لا أنها كانت قِبلة لهم، ووجهه أن سليمان ﵊ لما بناه في زمانه، وضع التابوت في البيت، فجعلوا يستقبلونه لأجل التابوت، لا لكونها قِبلة، إلا أنه لما استمر بها العمل اشتهرِ أنها قِبلتهم.
قلتُ: ولي فيه تردد. والأصلُ أن الذبيحَ اثنان: إسحاق ﵊ وقرب به في بيت المقدس، فكانت قِبلة لبني إسرائيل، وقرب بإسماعيل ﵊ في بيت الله، فجعلت قبلة لِبَنِيْهِ، وفي التوراة تصريحٌ بأن يعقوبَ ﵊ كان غَرَزَ خَشَبةً في بيت المقدس، وكان أوصى لبنيه أن يجعلوها قِبلةً عندما تفتحُ عليهم الشام، وكان أصل التعيين من أبيه، وحينئذٍ تحصَّلَ أن القبلتين كانتا على تقسيم البلاد، فبيت الله كانت قبلةً لأهلها، لأنهم كانوا بني إسماعيل ﵊، وبيت المقدس لأهل المدينة وأمثالهم، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، فلما كان النبي ﷺ في مكة توجه إلى البيت تبعًا لأهل بلدته، لأن قِبلتَه إذ ذاك كانت هي البيت، لكونه في بلدة قبلتها تلك البيت، فلما تحول إلى المدينة توجه إلى ما كان أهلُ تلك البلدةِ يتوجهون إليها، على ما مر أن تقسيم القِبلتين كان على تقسيم البلاد، لا أن بيتَ الله كانت قبلةً ثم صارت بيت المقدس، قِبلة، بل كلتاهما كانتا قبلتين على السوية، إلا أنهما كانتا على تقسيم البلاد، فلم تكن القبلتان في مكة والمدينة من اجتهاده ﷺ بل كانتا على الأصل، يعني من لدن إبراهيم ﵊، ولكنه توجه النبيُّ ﷺ في الموضعين بحَسَب تقسيم البلاد، وإنما كان النبي ﷺ يحب أن يوجَّه إلى البيت، لأنه كان من بني إسمعيل، فكان يحب قبلة أجداده.
وعلى هذا التقرير، لا حاجةَ إلى القول بتكرر النسخ كما علمت. ولك أن تقول: إن حاله في الاستقبال يُشبَّهُ بحاله ليلة المعراج، فكما أنه عُرج به من بيت المقدس، ولم يُعرج به من البيت ابتداءً، كذلك أمر النبي ﷺ بالاستقبال إلى بيت المقدس أولًا، ثم إلى البيت ثانيًا، فإن المقرَّ ونهاية السفر هو بيت الله، وحينئذٍ لا بِدْعَ في تكرر النسخ. وقد عدّ السيوطي رحمه الله تعالى عِدَّة أشياء تكرر فيه النسخ، على أن بيتَ الله كالديوان الخاص، وبيتَ المقدس كالديوان العام، لا يكون إلا لحاجة، والمقرُّ الأصليُ هو الديوان الخاص، فهذا النظر أيضًا يؤيد كون البيت قِبلة بمكة، ثم بيت المقدس بالمدينة لحاجة، ثم البيتُ قِبلة إلى الأبد.
واعلم أن إطلاق الإيمان على الصلاة ليس من باب إطلاق الكل على الجزء كما قال بعضهم، بل لأن صلواتهم إلى بيت المقدس في ستةَ عَشَر أو سبعةَ عشَرَ شهرًا إن ضاعت كلها، فكأنه ضاع إيمانهم، وهذا وإن كان فيه إطلاق الإيمان على الصلاة أيضًا، إلا أنه ليس من الباب الذي فهم، بل هو راجعٌ إلى باب السِّراية دون الجزئية، وحينئذٍ يضعُف استدلال المصنف رحمه الله تعالى منه.
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ:
[ ١ / ٢٠٨ ]
أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أطرافه ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - تحفة ١٨٤٠ - ١٧/ ١
٤٠ - (أول صلاة صلاها صلاة العصر) وفي السير أنها الظهر وجمع الحافظ رحمه الله تعالى بينهما بأن أول صلاةً صُليت إلى بيت الله هي صلاة الظهر، نزل النسخ فيها بعد الركعتين (١) وكان النبي ﷺ إذ ذاك في مسجد ذي القِبْلتين، وأول صلاةً صلاها بتمامها إلى البيت هي صلاة العصر، وكانت في المسجد النبوي.
وفي «وفاء الوفى بأخبار دور المصطفى» للسَّمْهُودي وهو تلميذ ابن حجر رحمه الله تعالى ما يدل على أنها نزلت في المسجد النبوي، دون مسجد ذي القبلتين، والحافظ ذَهَلَ عنه. ثم رأيت في تفسير الشيخ محمود الآلوسي رحمه الله تعالى عن حاشية السيوطي رحمه الله تعالى على البيضاوي: أنه كان يرذُ توجيه الحافظ، ويرجح رواية السِّير على «صحيح البخاري»، والسيوطي رحمه الله تعالى وإن لم يكن مثل الحافظ، لكن رأيت الآلوسي رحمه الله تعالى أيضًا اختار ترجيح رواية السير، فترددت فيه بعده أيضًا.
(فمر على أهل مسجد) قال العيني: إن هؤلاء أهل مسجد القِبْلتين، ومرّ عليهم المار في صلاة العصر، وأما أهل قُباء، فأتاهم آتٍ في صلاة الصبح.
(وأهل الكتاب) قيل: إن كان المرادُ منهم اليهود فقد مر ذكرهم، وإن كان النصارى فليست قِبلتهم بيت المقدس، بل هي بيت لحم، جانب الشرق من بيت المقدس، وهو مولد عيسى ﵊، فكان الأمران عندهم سواء، فَلِمَ سخطوا على التحويل عنها؟ والجواب: أن المراد منهم النصارى، ووجه إنكارهم أن النبي ﷺ إذا كان يستقبلُ بيتَ المقدس
_________________
(١) ونقل الحافظ ﵀ عن شرح الحافظ برهان الدين الحلبي على البخاري: أن نِصفَ صلاته كانت إلى بيت الله ونصفَها إلى بيت المقدس، والحافظ برهان الدين حنفي من جهابذة الحفاظ، كان من حفاظ اليمن كما أن ابن حجر ﵀ كان من حفاظ مصر - وكان كثير التصانيف، إلّا أن ملك تيمور حرق كتُبَه كلها بين عينيه، فلم يبق من تصانيفه نقير ولا قِطْمِير، إلّا ما كان الناس أخذوه نقلًا، وقد أحال الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى على شرحه في موضع من باب المهر، فلعله يكون عنده نقل عنه، ويمكن أن يكونَ بلغ كلامه إليه من أفواه تلامذته، هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز معربا. اهـ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وهو بالمدينة، كان يقع استقباله إلى بيت لحم أيضًا، فإنهما في سَمتٍ واحد من المدينة، فلما ولَّى عنها لزمَ التحولُ عن قبلتهم أيضًا، فأنكروا لهذا. أو يقال: إنهم أيضًا كانوا يسمون بيت المقدس قِبلةً، فإنهم كانوا يدعون بتعبد الديانة الموسوية، والقبلة فيها بيتُ المقدس. والله تعالى أعلم.
(قال زهير) قال الكَرْماني: إنه تعليق. قلت: والصواب ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: إن المصنف رحمه الله تعالى ساقه في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير.
(اقتلوا) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أجد روايةً سوى رواية زهير تدل على قتلِ رجلٍ قبل التحويل، لعدم وقوع غزوة في تلك المدة. أقول: إن نفي القتل مطلقًا مشكل، ويمكن أن يراد به القَتْلُ بمكة لا المدينة كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى آخرًا.
(فلم ندر ما نقول) المشهور أن الشبهة كانت في صلواتهم. ويحتملُ عندي أن تكونَ الشبهةُ في دفن الموتى، فإنها دُفنت قبل القِبلة، وأثرُهَا باقي بعد التحول أيضًا، بخلاف الصلاة، ولذا خصَّها الراوي بالذكر. وعلى الوجه المشهورِ لا يظهرُ بتخصيص الموتى معنى، فإن الأحياء والأموات كلهم مشتركون في إضاعة الصلوات لو ضاعت (١) وقد مر إن وجه الإشكال فيه كونه أول نَسْخ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قلت: فيه نظر إلا أن يكون أولًا باعتبار الشُّهرة، فإنه أولُ نسخٍ اشتُهر، لنزاعِ أهل الكتابين فيه.