واخْتُلِفَ في الإقرار، فقال المرجئة: إن الإقرار ليس بشطرٍ ولا شرطٍ للإيمان، فالتصديق
_________________
(١) ثمَّ تفصيل كون الإيمان عند أحمد رحمه الله تعالى عقدًا: أن الإيمان عند أحمد ﵀ اسم للبيعة من النبي - ﷺ - على الإتيان بجميع ما يأمره به والترك بجميع ما ينهاه عنه، والبيعة أمر واحد تنسحب على مجموع ذلك، فلما خالف الشرع وأتى بما لم يكن له أن يأتيَ به فقد خالف بيعته، فانتقض إيمانُه لا محالة، فأحمد رحمه الله تعالى ذهب إلى الزيادة والنقصان في الإيمان مع كون الإيمان شيئًا واحدًا عنده أما المحدثون فجعلوه أمورًا، ثم قالوا بالزيادة والنقصان. والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى جعل الإيمان أمرًا مستقلًا برأسه مفرزًا عن الأعمال، ولذا لو انتقص في الأعمال لم ينتقص منه إيمان، فإن الإيمان أمر على حدة عنده. ونظيره أن مَلِكًا مسلمًا عَاهد ملكًا من الملوك على أمور وصالحه عليها، فإن وفَّى به فهو على عهده، وإلا فهو غادر، قد نقض العهد والصلح. وهذا على نظر أحمد ﵀، وأما على نظر إمامنا، فالمَلِك المعاهد صار بمنزلة الرَّعية للمسلم، والرعيةُ تبقى رعية وإن فسقت، فلما كان الإيمان كالبيعةِ من النبي - ﷺ -، صارَ الفاسق كالباغي عند أحمد ﵀، فانتقض عهده وانتقص إيمانه لا مَحَالة. وعندنا هو بمنزلة الرَّعية، فاستحق العِقاب والعُقوبة، ولم يُوجِبُ ذلك نقصانًا في أصل إيمانه. ولذا لم يرد الشرعُ بخلود الفاسق، فالنزاع في الأصل ما ذكرنا: أي أن الإيمان أصل واحد كما يقول إمامنا رحمه الله تعالى، أو أمور متعددة كما يقوله المحدثون، ثم إنه كالبيعة كما هو نظر أحمد ﵀، أولًا كما هو نظر إمامنا ﵀، وليس نزاعًا لفظيًا كما قالوا. ثم إن مَثلَ الكافر عند أحمد ﵀ إذا أسلم فاقتحم المعاصي، كمثل المعاهد الغادر، فيؤخذ بالأول والآخر. وعندنا هو كرجل دخل في رعية سلطان، فإن ارتكب الجرائم يُعاقبُ عليها، ولكن لا يُعدْ باغيًا وناقضًا للعهد. وهذا معنى الزيادة والنقصان، ومعنى البيعة عند أحمد ﵀، وعدمها عند إمامنا ﵀. والأصوب ما ذكره الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما علمت. هكذا فَهِمنَاه من بعض تقارير الشيخ رحمه الله تعالى.
(٢) قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: اختلفوا في الإقرار أنه ركن للإيمان أم شرط له في حق إجراء الأحكام؟ قال بعضهم: إنه شرط، فمن صَدَّق فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى وإن لم يقر بلسانه. قال النَّسفي رحمه الله تعالى: هو المروي عن أبي حنيفة ﵀، وإليه ذهب الأشعري ﵀ في أصح الروايتين. وهو قول أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: هو ركن، لكنه ليس بأصلي له، كالتصديق، بل هو ركنٌ زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز. وقال فخر الإسلام إن كونه ركنًا زائدًا مذهب الفقهاء، وكونه شرطًا لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين. والمحدثون قالوا: إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح. انتهى بتغيير يسير عمدة القاري ينظر ص ١٢١ ج ١.
[ ١ / ١٢٤ ]
وحده يكفي للنجاة عندهم، حتى اشتهر القول عنهم: بأنه لا تضرُ مع الإيمان معصية. وعلى خلافهم الكرَّامية، فإنهم زعموا أن الإقرار باللسان يكفي للنجاة، سواءٌ وُجِدَ التصديق أم لا، فكأنهما على طرفي نقيض. وعندنا لا بد من الإقرار أيضًا، إما شطرًا أو شرطًا.
قال التفتازاني: إن الإقرار لو كان شرطًا لإجراء الأحكام فلا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار للإمام وغيره من أهل الإسلام، وإن كان لإتمام الإيمان، فإنه يكفي مجرد التكلم به وإن لم يظهر على غيره. ومن جعل الإقرار ركنًا كالتصديق فرّق بينهما بكون التصديق لا يحتملُ السقوطَ في حال، بخلاف الإقرار، فإنه يسقطُ عند الأعذار. وفي «المسايرة» وجَعْلُ الإقرار بالشهادتين ركنًا من الإيمان هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطًا خارجًا عن حقيقة الإيمان. ثم إنه شرطًا كان أو شطرًا، لا بد منه عند المطالبة عند الكل، فإن طُولِبَ به ولم يُقر، فهو كافر كفر عناد، وهو معنى ما قالوا: إنّ تَرْك العناد شرطٌ في الإيمان. كذا صرح به ابن الهمام ﵀.
تنبيه: وههنا إشكالٌ يردُ على الفقهاءِ والمتكلمين وهو أن بعضَ أفعال الكفر قد توجد من المُصدِّق، كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا: إنه كافر، ناقض قولنا: إن الإيمان هو التصديق. ومعلومٌ أنه بهذه الأفعال لم ينسلخ عن التصديق، فكيف يُحْكم عليه بالكفر؟ وإن قلنا: إنه مسلم، فذلك خلافُ الإجماع. وأجاب عنه الكَسْتلِّي تبعًا للجُرْجَاني: أنه كافر قضاءً، ومسلم دِيَانَة. وهذا الجواب باطلٌ مما لا يُصْغى إليه، فإنه كافر دِيَانة وقضاءً قطعًا، فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى، وحاصله: أن بعض الأفعال تقوم مَقَام الجحود، نحو العلائم المختصة بالكفر، وإنما يجب في الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضًا، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر. ولذا قال تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، في جواب قولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، لم يقل: إنكم كذبتم في قولكم، بل أخبرهم بأنهم بهذا اللعب والخوض اللذين من أخصِّ علائم الكفر خلعوا رِبْقَةَ الإسلام عن أعناقهم، وخرجوا عن حِمَاهُ إلى الكفر، فدل على أنّ مثلَ تلك الأفعال إذا وجدت في رجل يُحكم عليه بالكفر، ولا يُنظر إلى تصديقه في قلبه، ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضًا وهزأً فقط، أو كانت عقيدة. ومن ههنا تسمعهم يقولون: إن التأويل في ضروريات الدين غيرَ مقبول، وذلك لأن التأويلَ فيها يُساوِق الجحود وبالجملة: إن التصديق المجامعُ مع أخصِّ أفعال الكفر، لم يعتبره الشرع تصديقًا، فمن أتى بالأفعال المذكورة فكأنه فاقدٌ للتصديق عنده وأوضحه الجصَّاص، فراجعه.