والمراد من الضرورة ما يُعرف كونُهَا من دين النبي ﷺ بلا دليل. بأن تواتر عنه واستفاض، حتى وصل إلى دائرة العوامّ وعلمَهُ الكوافّ منهم، لا أن كلًا منهم يعلمه، وإن لم يَرْفَع لتعليم الدِّينِ رأسًا، فإن جهلَه لعدمِ رغبتِهِ في تعليم الدين، وعلمته العامَّة، فهو ضروريٌّ كالواحدانية، والنبوة، وختمَهَا بخاتم الأنبياء، وانقطاعها بعده، والبعث والجَزَاء، وعذاب القبر سُمِّي ضروريًا لأن كلَّ واحدٍ يعلم أن هذا الأمر مثلًا من الدين. وإن كانت متوقفةً في نفسها على النظر والاستدلال، كالتوحيد، والنبوة، والبعث والجزاء، فإن كلَّ واحد منها وإن كان نظريًا في نفسه، لكن كونه من دينه ﷺ معلومٌ بالضرورة. وكذا لا يريدون بالضرورة أن الإتيانَ بها بالجوارح لا بد منه كما يُتَوهم.
فقد يكونُ استحبابُ شيءٍ وإباحته ضروريًا، يكفر جاحده، ولا يجبُ الإتيان به كالسِّواك، فالضرورةُ في الثبوت عن حضرة الرسالة وفي كونه من الدين، لا من حيث العمل، ولا من حيث الحكم المتضمن، لأن الحديث قد يكون متواترًا، ويُعلم ثبوته عنه ﷺ ضرورة، ويكون الحكم المتضمن فيه نظريًا من حيث العقل، كحديث عذاب القبر، ثبوته عنه ﷺ مستفيض، وفهم كيفية العذاب مشكل. وليُعلم أن الإيمانَ هو التصديق بكل ما جاء به رسول الله ﷺ وإن لم يكن متواترًا، والتزامُ أحكامِهِ، والتبرؤُ من كل دين سواه. ومن قَصَرَه من المتكلمين على الضروريات، فلأن موضوعَ فَنهِّم هو القطعي، لا أن المؤمنَ به هو القطعي فقط. نعم، التكفير عندهم إنما يكون بجحوده فقط. وأما الفقهاء فإنهم يبحثونَ عن أخبار الآحاد أيضًا، بخلاف المتكلمين. ولذا تراهُم يكَفِّرون بإنكار الأمر الظني أيضًا، وحينئذٍ كان الأنسب للفقهاء أن لا يعرِّفُوا الإيمانَ بالحدِّ المذكور، لأن قيدَ الضرورة يناسب موضوع المتكلمين دون الفقهاء. والمناسبُ لهم أن يقولوا: هو الاعتقاد بما جاء به النبي ﷺ إن قطعًا فقطعًا، وإن ظنًا فظنًا.
والسرُ فيه أن الموجِبَ لكفر الرجل في نفسه، هو إنكار قطعيَ. وأما المُنَبِّهُ للمُفتي في تكفيره، فقد يكون حديثًا آحاديًا، فيُنبِّههُ على أن إنكارَ أمر كذا، كفر. ثم لا يكونُ ذلك الأمرُ في الواقع إلا قطعيًا، ومثاله: أن رجلًا عالمًا عدّ المتواترات والقطعيات وفهرسها، وذَهَلَ وغَفَلَ عن بعضها، فلم يُدْخله في ذلك الفهرس، فجاء واحد آخر ونبَّه على قطعيات أُخر، فأدخله بقول ذلك
[ ١ / ١٤٣ ]
الواحد في هذا الفهرس، فقد تَنَبَّه بقول واحدٍ للقطعي. فهكذا الأمرُ ههنا لم يكْفُر الرجلُ إلا بإنكار قطعي في نفسه، لكن المُفتي قد يأخذُ مسألةَ التكفير من خبر واحد، فيجوز بناءُ التكفيرِ على الظني بلا خطر، لأن الظنَّ في طريق العلم بالحكم، لا في أمرِ الموجِبِ لكُفْرِ المكفَّر.
وهذا كإثبات الفرض والحرام بالقياس، نظرًا إلى حقيقة الشيء، لا نظرًا إلى طريق ثبوتِهِ، أو كالإجماع المنقول آحادًا. نعم، تكفيرُ المتكلِّمينَ يكون قطعيًا، وتكفير الفقهاء قد يكون ظنيًا، فليس هذا في الحقيقةِ خلافًا في المسألة وإنما هو اختلاف الفن والموضوع، فموضوع الفقهاء فِعْلُ المكلف، وكثير من مسائلهم ظني. وموضوع المتكلمين القطع، فلو تكلم متكلمٌ في الفقه يوافقهم في التكفيرِ، ولو ذهبَ فقيهٌ إلى فنِ المتكلمين، لا يَحْكُم به إلا بعد إنكار القطعيات.