٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى
_________________
(١) وقد طالعت فيه رسالةَ الشوكاني فما وجدت فيه شيئًا يعلق بالقلب. نعم، لو مر عليه نحو الشافعي رحمه الله تعالى عنه لأغنى عن الإِيضاح، وهذا الشافعي لمّا كان فقيَه النفس أثنى على محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، بما هو أهله، فتارة قال: إنه كان يملأَ العينَ والقلَب، لأنه كان جميلًا ويملأ القلب من العلم، وقال أخرى: إذا تكلم محمد رحمه الله تعالى فكأنما ينزلُ الوحي. ومرة قال: إني حملتُ عنه وقْرَي بعيرٍ من العلم. وأما المحدثون فمن لم يكن منهم فقيهًا لم يعرف قَدْرَه ورتبتَه ولم تُنْقَلْ عنهم كلماتُ التبجيل في شأنه رحمه الله تعالى، ووجه نكارَتهم أنه أولُ من جرَّد الفِقه من الحديث. وكانت شاكلةُ التصنيف قبل ذلك ذكرُ الآثار والفِقه مختلطًا، فلما خالف دَأبَهم طَعُنوا عليه في ذلك. مع أنه لم يبق الآن أحدٌ من المذاهب الأربعة إلّا وقد فعل فِعلَه وسار سِيرَتَه، فرحم الله من أنصف ولم يتعسف. انتهى تعريب ما في تقرير الفاضل عبد القدير.
[ ١ / ٢٣٠ ]
الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ». طرفه ٢٠٥١ - تحفة ١١٦٢٤
٥٢ - (مشتبهات) رُوي من الإفعال والتفعيل والافتعال. واعلم أن المفسرينَ اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فقيل: ملتبسات. واعتُرِض عليهم بأن الله تعالى قد وصف به جميعَ كتابه في موضع آخر، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] ومعناه هناك كتابًا يصدِّق بعضه بعضًا، لا أنه يلتبسُ بعضُهُ ببعض، فإن هذا المعنى لا يليق أن يتصف به كتاب الله تعالى كما هو ظاهر، فأخذ بعضهم معنى التصديق في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أيضًا وهو مروي عن مجاهد. وذكره البخاري في التفسير. أقول: والمُتَشَابَه بمعنى المُصَدق، قريب من معنى المُحكم، وليس بينهما كثيرُ فرق، مع أن الله تعالى قابل بينهما وسَمَّى الذين يتبعونَ ما تشابه منه بالزائغين. وعلى هذا فتفسيرُ مجاهد مرجوحٌ، وكان ينبغي أن لا يذكره البخاري، والعذر عن البخاري رحمه الله تعالى يجيء في موضِعه.
فمعنى المتشابهات في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ هو الملتبسات، وفي قوله: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ هو التصديق، أي مصدقًا بعضُهُ بعضًا. فإن قلت: إنه يوجب الانتشار في مطالب القرآن. قلت: لا انتشار فيه، لأن تغاير المعاني عند تغايرُ الصِّلات وإن كانت محذوفةً في اللفظ ليس من الانتشار في شيء. فالتَّشَابُه إذا كانت صلته «على» يكون معناه الالتباس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي التبس علينا، وهو المراد في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ وإذا كانت صِلته اللام يكون بمعنى التصديق، وهو المراد في قوله: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ يعني متشابهًا لكم، أي مصدقًا بعضُهُ بعضًا. والسِّرُ فيه عندي أن اللفظَ إذا تغاير معناه عند تغاير الصلات يكون مشتركًا معنويًا.
(لا يعلمها كثير من الناس) أي لا يعلم حكمُها، كما عند الترمذي بلفظ: «لا يدري كثير من الناس أَمِنَ الحلال هي؟ أم من الحرام؟». ومفهوم قوله: «كثير» أن بعضًا منهم يعلمها وهم المجتهدون، فحينئذٍ يكون الاشتباه في حق غيرهم. وقد يقع الاشتباه لهم أيضًا، حيث لا يظهرُ لهم ترجيحُ أحدُ الدليلين، كذا ذكره الحافظ.
(لكل ملك حمى إلخ) وعندنا يجوز الحمى للإمام فقط، كما كان عمر رضي الله تعالى عنه بَنَى رَبْضةً لخيل الجهاد دون غيره. أما الملوك فكانوا يتخذون الحِمى لأنفسهم، وذلك محظور في الشرع، وأما حِمى الله فهو مطلوبٌ لله تعالى أن لا يرعَى عبدَه حولَه، ففيه تشبيه محمودٍ بمذموم، ولا ينبغي أخذ المسائل والأحكام من التشبيهات، فاعلمه، فإنه مهمٌ، وقد يَغْلَط فيه الناس. ثم الحديث إنما جاء على عُرْف الملوك وعاداتهم، وكان من عادات ملوكهم اتخاذُ الحمى كما علمتَ.
(ألا وهي القلب) ونِسبة القلب إلى الجسد كنسبة الأمير إلى المأمور وهو الأصل،
[ ١ / ٢٣١ ]
والأعضاءُ كالفروع له، وهو: مَعْدِنُ العلوم والمعارفِ والأخلاقِ والمَلَكاتِ. وفي «الجامع الصغير» للسيوطي رحمه الله تعالى: «أن القلب ملك إلخ»، وفي البيهقي: أن الأَذَنَ قِمْعٌ للقَلْب يُحضِرُ المسموعات عنده من الخارج، والعينان مسلمة يتقي بهما الحجر والشجر، واليدان جناحان، والرجلان البريد، والكبد رحمة، والطِّحال ضحك، والرِّئةُ نَفَس، فإن صح هذا لدل على أن الضَّحِكَ من الطِّحَال، ولم يذكر الأطباءُ له وجهًا. وما وَضَحَ لدي، أنه يحدث من انقباض الرئة مرة وانبساطه أخرى. والقلبُ هو أصلُ اللطائفِ كلها عندي غير الروح، فإنها من الخارج والنفسُ مَعِدنه الكبدُ الطالبة للذات والشهوات، والقلب بعد فنائه في اللذات والهوى يُسمَّى نفسًا. وعليه مدار الصلاح والفلاح وهو مهبطُ الأنوار ومنبعُ الأسرار.
وفي الحديث أنه لما صوَّرَ آدم، طاف به الشيطان ودخل فيه ورأى فيه منافذ قال: إنه مخلوق لا يتمالك نفسَه. وفي تفسير «فتح العزيز» زيادة: وهي أن في يساره حُجْرَة مسدودة لا أدري ماذا فيها، وكان فيه القلب. قلت: ولما كان القلبُ مَظهرًا لتجلياتِ الصمد الأحد، جعله اللَّهُ صمدًا ولم يبق فيه منفذًا، فهو إذن كالقَّبةِ المُشرفةِ مسدودةٌ جوانبها، محكمةٌ أبوابُها وغرفُهَا، لا يدرى سره إلا الله العلي العظيم.