واعلم أن المصنف لما فرغ عن النية التي هي مبدأ الأعمال من جهة، شرع في الوحي الذي هو مبدؤها من جهة أخرى، وهو المقصود ههنا. أما الوحي والكلام فيه فالحق أنه خارج عن موضوعنا كما ذكره الشيخ الأكبر في «الفتوحات»، أن ما لا يحصل لنفسه لا يُدْرِكُ كُنْهَه. وذكر أنه دخل مرة في ملأ من الأولياء وهم في ذكر من المقام الموسوي، فَوَكَلوا الكلام إليه، فقال: لا يحل لي أن أتكلم فيه، لأنه لا يحصل لي، فكذلك الوحي لا يُدْرِك كنهه إلا لمن اتصف به. ولم يرو في هذا الباب عن السلف شيء كثير، إلا ما رُوي عن ابن عباس ﵁: أن الوحي هو القذف في القلب - أي في الآية التي سنتكلم عليها آنفًا - ولم ينفصل الأمر منه، فإن القذف والقذف يتغايران فلا ندري ما كيفيته، فإننا أيضًا نقذف في قلوبنا. وقد ذكر العلماء أقسامه. والأولى عندي أن يقتصر على ما اقتصر عليه النص، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ إلخ [الشورى: ٥١].
[ ١ / ٨٩ ]