واعلم أن كلمةَ الإخلاص، لاستئصال الإشراك في العبادة، دون الإشراك في الذات، وعليه تُبنى دعوةُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن منكري الربوبية أو المشركين في الذات كانوا أقل قليل، فلم يريدُوا بتلك الكلمة إلا الردَّ على الذين كانوا يشركون في العبادة، كما حَكى اللَّهُ تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] يعني أن الله سبحانه واحدٌ، وهؤء مقرِّبون إليه، والعياذ بالله. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ولم يقل: يجحدون، فعلم أنهم لم يكونوا منكرين لتلك الكلمة رأسًا، لأن الاستكبار بعد العلم، وقد مر أن أول من بعث لدحض الكفر هو نوح ﵊، وقبله لم يكن إلا الإيمان فقط، ثم جاء إبراهيمُ ﵊ وقابل مع قوم نمروذ، وكانوا يشركون في العبادة، فردّ عليهم بأبلغَ وجه وأتمَّ تفصيل. وعلى هذا فالملةُ الإبراهيمية هي استئصال الإشراك في العبادة.
بقي موسى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام فلم يكونوا بعُثوا في مُقابلةِ الكفر، بل إلى بني إسرائيل، وكانوا مسلمين باعتبار قومهم، لأنهم كانوا من أولادِ يعقوب ﵊، ثم جاء بعدهم كلهم نبينا محمد ﷺ وقد انمحت آثار الأنبياء، واندرست تلك الكلمة، وانقطعت عن أصلها وفرعها، حتى لم يكن يعرفُها أحدىٌ. فأحيانها، وأسسها، وأقامها على سُوقِها، ليغيظ بها الكفار، فمن عَرَف تلك الكلمة، أو قالها، فقد قالها مقلدًا إياه ﷺ لأنه هو الذي أحياها وعلَّمَها الناس، ولذا يقال له: إنه على الملةِ الإبراهيمية، وحينئذٍ القول بتلك الكلمة فقط تضمن الشهادة بالرسالة أيضًا، وعليه فليحمل حديث مسلم: «من قال: لا إله إلا الله دَخَلَ الجنة» ليس معناه ولو بدون الشهادة بالرسالة، بل معناه أن من قال تلك الكلمة مقلِّدًا ومقتديًا به ﷺ دَخَلَ الجنة، فإنه قد أقر بالرسالة وشهد بها أيضًا، حتى أنهم صرحوا أن أحدًا لو قالها بدون تقليده ﷺ كسنوح السوانح، لا يكون من الإيمان في شيء، فظهر منه وجه آخر لحذف الشهادة بالرسالة في الحديث.
ثم اعلم أن صيغة الشهادة غلبت عليها جهة الإيمان، وليست من عامة الأذكار، بخلاف لا إله إلا الله، فإن فيها جهة كونها ذكرًا من الأذكار أيضًا، بخلاف الشهادة بالتوحيد والرسالة، فإنها ليست ذكرًا، بل هي إيمان، ولذا إذا تذكر الشهادة بالتوحيد، تضم معها الشهادة بالرسالة
[ ١ / ١٧٨ ]
أيضًا، فإن الإيمان لا يتم بدونها، وتلك الكلمة بدون لفظ الشهادة قلما يذكر معها الجزء الثاني، لأنه تنتقل ههنا إلى الأذكار ويُراد بها أصحاب هذا الذِّكر، فمعنى قوله ﷺ «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله» أي في أصحاب هذا الذكر، وهم الذين أدوا الشهادتين. ولا تَظُننَّ أن المراد من أصحاب هذا الذكر هم الذين ذُكروا بتلك الكلمة مرارًا، فإنهم أصحاب الأعمال، بل أريدُ به أنه صار عنوانًا للمسلمين لأجل هذا؛ فَذَكَرَ العُنوانَ المشهورَ وأرادَ المعنونَ المخصوص، وإنما عنونَهم بذلك ليُعلم وجهُ خروجهم من جهنم بدون عمل وخير.
وهذا وجه ثالث لحذفِ ذكرِ الشهادة بالرسالة، فدونك رابعًا أيضًا، وهو أن لا إله إلا الله لا تزالُ تَبقى المعاملةُ بها إلى الأبد، لأن الأذكارَ تبقى في الجنة أيضًا، وقد مرّ مني أنّ فيها جهة الذكر أيضًا بخلاف: محمد رسول الله، فإن فيه جهة الإيمان فقط، وليست فيه جهة الذكر، وإنما الذكرُ في حقه ﷺ هو الصلاة عليه، لا تلك الكلمة، فالمعاملة مع تلك الكلمة، وهي القول بها تنتهي بانتهاء تلك الحياة وليست معها معاملةٌ بعد انقطاع تلك النشأة، بخلاف كلمةِ التوحيد، فإن معها معاملة في المستقبل أيضًا، ولذا وردت في الحديث تلك الكلمة فقط، دون محمد رسول الله، فإن القول بها مضى في الدنيا، وأما في الجنة فليس هناك إلا الأذكار، وهو ليس منها.
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِىَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الدِّينَ». أطرافه ٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩ - تحفة ٣٩٦١
٢٣ - (قميصه يجره) هذا من عالم الرؤيا فلا تجري فيه مسألة الإسْبَال.
(تأولت) والتأويل عند السلف طلب المآل، وبيان المراد كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أي مرادها ومصداقها، لا ما أصطَلَحَ عليه المتأخرونُ من صرف الكلام عن الظاهر.
(الدين) فإن القميص كما يكون وقايةً للاّبس من الحر والقر والوقاحة، كذلك الدينُ يكونُ حافظًا لعرضِهِ في الدنيا والآخرة.