فلنشرح أولًا مراد السلف، والكشف الغِطاء عن قولهم: الإيمان: قول وعمل، ثم لنبحث أن الأعمال هل تصلح لجزئية الإيمان أم لا؟ فاعلم أن قولهم هذا ليس نصًا في الجزئية كما فهموا، لأنه ليس من لفظ السلف أن الأعمالَ أجزاءٌ للإيمان، بل لفظهم: «قول وعمل» وهو يحتملُ شروحًا يصدقُ بعضها على مذهبنا أيضًا، بل هو أولى الشروح كما ستعرف.
الأول: ما فهمه عامةُ الناقلين وأرباب التصانيف، وهو أن الإيمانَ مركبٌ من القول أي الشهادتين والعمل، وهذا الشرحُ دائرٌ فيما بينهم. والإيمان على هذا الشرح ذا أجزاء كالجدار واللُّبِنات. ثم إنهم قالوا: إن المُخلَ بالتصديق فقط مع القول الظاهر، منافقٌ، والمخلُ بالتصديق والقول كافرٌ مجاهِرٌ، والمخلُ بالعمل فقط فاسقٌ. وحكمه: أنه لا يخلدُ في النار، ففرقوا بين جزءٍ وجزء فبانتفاء البعض حكموا بانتفاء الكل، كالتصديق، وبانتفاء بعض آخر لم يحكموا بانتفاء الكل، كالعمل. واستشكله الرَّازي وقال: إن الأجزاء كلها متساوية الأقدام في أن انتفاءَ بعضها أي بعض كان - يستلزمُ انتفاءَ الكل قطعًا، ولا نتعقَّلُ فرقًا بين جُزء وجزء. وأجابوا عنه بأجوبةٍ كلها مشى على القواعدِ وغَفْلةٍ عن الحقائق.
فقال قائل: إن الأجزاءَ على قسمين: حقيقةٌ، وعُرفيةٌ. وبانتفاء الأول ينتفي الكل، بخلافِ الثاني. والعمل من الثاني دون الأول، وحولَهُ تَحُومُ أجوبة أخرى. والحق في الجواب: أن المجموعَ المركبَ من الأجزاء لا يلزمُ من زوالِ بعض أجزائه انعدامُ هذا المركب أيضًا. نعم، تزول تلك الهيئة السابقة، لكن لا يقتضي التباينُ بينها وبين اللاحقة، وذلك كالإنسان مثلًا، فإذا أصابت بعض أعضائه عاهة، لم يخرج عن كونه إنسانًا، نعم يقال من حيث الصورة: إنه إنسان ناقص، فإذا زاد النقصُ ربما خرجَ عن تسميته إنسانًا ظاهرًا، بل لا أجد أحدًا من الأشياء يزولُ اسمه بزوال جُزء منه. نعم، ههنا مجال للنظر، فمن أهلكَ الحرثَ والنَّسل وفعلَ كلَّ مُنكَر، ولم يأت بخير ما، فلا علينا أن لا يُسمّى بأشرف أسماءِ الأمة.
فإن قيل: فما مِقْدَارُ الطاعات التي يَخْرُجُ بتركها من الإيمان؟ قلنا: عِلمُها عند الله، وعدم علمنا بمقدارها، لا يقتضي أن لا يكون لها مقدار في الواقع. وهذا كالسواد والبياض، إذا انتقصْتَ من السواد درجة، لا يأخذُ البياضُ مكانها. نعم، لا تزال تنحطّ منه درجة بعد درجة، حتى إذا انتفت جميع مراتب السواد، يجيء البياضُ بدله. فهكذا الإيمان والكفر، لا يزال الإيمانُ ينقصُ بالمعاصي، حتى إذا انتفت المرتبة التي هي مَدَار النَّجاة، استخَلَفه الكفر، فيصبح من الكافرين. والعياذ بالله فافهمه، فإنه يُنْجِيك من الشَّبهات. فالعملُ على هذا التقدير حاصلٌ المصدر، ومثلُهُ القول.
والشرح الثاني: أن الإيمان تصديقٌ يظهرُه اللسان والجوارح. وحاصله: أنه التصديقُ المساعدُ بالقول والعمل، وحينئذٍ لا يكون الإيمانُ إلا التصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعدًا ومُساعدًا للإيمان لا أجزاء له. فالتصديقُ الذي يخلو عن الإقرار والأعمال، كأنه ليس بتصديق. وهذا أيضًا نظرٌ على حد قوله: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويده»،
[ ١ / ١٣٠ ]
«والمؤمنُ من أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالِهم». رواة الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي القرينتين حصرٌ، وهو يؤدي انتفاء اسم الإسلام والإيمان عند عدمِ سلامة الناس، وعدم الأمن منه، فمن كان مسلمًا ينبغي أن يشهدَ له عملُهُ، وهو سلامةُ الناس من لسانه ويده، ومن كان مؤمنًا يجب أن يأمَنَه الناسُ على دمائهم. وبدون ذلك، إسلامه وإيمانه، غير مصدَّقٍ من العمل، وإذا لم يصدَّق عمله، فإذن هو أمرٌ يدَّعيه هو، ولا ندري أهو كذا أم لا؟
الشرح الثالث: إن التصديق منسحب على القلب، والجوارح، فتصديق القلبِ هو التصديق الباطني المُسمّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يُسمّى عملًا وأخلاقًا. فالشيءُ واحد من هناك إلى ههنا. ويختلف الأسامي باختلاف المواطن. فالإيمان على اللسان قولٌ، وعلى الجوارح عملٌ. وهذا أيضًا محتملٌ، كقول الأطباء: إن الإرادة شيءٌ واحد، وهي التي تُسمّى في اليد: بقوة التحريك، وفي القلب: بالإرادة. فهكذا ما دام التصديقُ في القلب فهو إيمانٌ. وبعد كونِهِ مجبُولًا عليه يصيرُ أخلاقًا. وبالظهور على الجوارح يسمّى أعمالًا. فهذه كلها أنظار، والأخير تفلسف. لا كما زَعَمُوه: أنه حدٌ كحدِ المناطقة، فجعلوا عليه الطرد والعكس. والأمرُ كما عَلِمْتَ أنه نظرٌ من الأنظار، وهو الذي يليق أن يدورَ في السلف، لا تحديدُهُ، فإنه من طريق الخَلَفِ المشتغلين في الفنون.
وهناك شرح رابع: وهو أن الإيمان اسم للتصديق الذي يَعقبُهُ القول والعمل، فينبغي أولًا أن يُصدِّق، ثم يُقر، ثم يعمل، والقولُ والعمل على هذا التقدير مصدر، لا الحاصل بالمصدر، وهذا نحو ما نقل الحافظ في «الفتح» في: باب الإنصات للعلماء من كتاب العلم: عن سفيان: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعي تقديم الإنصات على الاستماع. فانظر كيفَ رأيتَ قولَه هل هو تحديدٌ له وذكر لأجزائه؟ بل مُراده أن حقَّ العلم أن يترتب عليه تلك الأشياء، فهذه الأشياء من مقتضياته، وهو داع لها. فكذلك الإيمان ليس تصديقًا فقط، بل من حقِّه أن يصدقه اللسان والجوارح، وهو القول والعمل.
إذا علمتَ هذا فقد علمتَ أن قولهم: لا ينحصرُ في الجزئية، بل هو أحذُ شروحِهِ والظاهر أنهم ليسوا بصدد التحديد. وبيان الأجزاء، بل ببيان الأنظار، وأنَّ ما ينبغي أن يكون، وإذن يتأتَّى قولهم على مذهبنا أيضًا.
وإذ قد فرغنا من شرح مقولتهم، فلنعرِّج إلى أن الأعمالَ هل هي أجزاءٌ للإيمان أم لا؟