قوله: (إيمانًا واحتسابًا) واعلم أن الاحتساب كثيرًا ما يُستعمل في الأحاديث. فاعلم أن اشتراطَ الإيمانِ ظاهرٌ، فإنه لا عبرة بالعبادات بدون الإيمان. أما الاحتساب فهو مرتبة علم العلم واستحضار النية، وعدم الذهولِ عنها واستشعار القلب بها. فإنا وجدناه بعد التتبع مذكورًا في مواضع، أما في مواضع الذهول، إذا يذهل عنها ذاهل، فيوجه الشارع هناك إلى الاحتساب كما في المصائب السماوية، فإنه لا أحدَ يرجو فيها الثواب، لعدم دخله واختياره فيها، فهذا محل التنبيه ليحصل له الأجر، ولذا قال النبي ﷺ لمن مات ولدها: «فلتصبر ولتحتسب» فإن الموتَ أمرٌ سماوي مضى عليها كما يمضي على سائر الناس، وربما يمكن أن أَن يتوجَّه الذهنُ فيه إلى أجر، فكان موضع ذُهول.
فنبَّه على أنه وإن كان أمرًا سماويًا، إلا أنه توفرَّ لها الأجرُ إن تصبر وتحتسب، أو في
[ ١ / ٢٠٠ ]
مواضع المشقة، والمجاهدة، كقيام الليل فيذهل فيه عن النية أيضًا من جهة أخرى، لأن ما فيه مِن حَمْل المشاق وإتعاب النفس، ومقاساة الأحزان، يعدُّه المرء طاعةً بنفسه، ولا يرى فيه جهة غير تلك الجهة على نقائض المصائب السماوية، فإنه لا يرى فيها جهةَ الطاعة. فوجه الشارع ههنا أيضًا إلى توفير النية ليزداد أجرًا، أو في موضع يعدّه الرجل خفيفًا غير موجب لأجر، كما في الإنفاق على الأهل والمجيء من البُعْد للصلاة، فإن الأولَ واجبٌ عليه طبعًا وعرفًا، والثاني وسيلة. فالمرادُ منه توفير النيةِ، واستحضارُهَا، وإشعارُ القلب بها في تلك المواضع، فهو مرتبة عِلمِ العلم، دون العلم، وقد مر معنا أنه لا حاجةَ لإحراز مطلق الأجر إلى نية زائدة على ما تكون في الأَفعال الاختيارية، بل تكفي منها ما يكون قُبيل الأفعال الاختيارية.
نعم، لا بد من انتفاء النية الفاسدة، وبعده لا تجب عليه نية أخرى لتحصيل الثواب، وهذا الشرح أخذته من حديث «مسند أحمد»: «من هَمّ بحسنة كتب له عشر حسنات إذا أشعر به قلبه وحرص الخ». فهذا هو الاحتساب عندي أي إشعار القلب، وهو أمر زائدٌ على نفس النية، فالنيةُ وإن كانت كافية لإحراز الأجر إلا أن في الاحتساب معنى ليس فيها (١).