نُسب إلى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أن الإيمان محله القلب، ونُسب إلى إمامنا رحمه الله تعالى أنه في الدِّماغ، كما في «مجمع البحار» ولا أعتمد عليه، لأني لم أجد تلك النسبة في أحد من كتب القدماء، مع أن في كتاب الجنائز من «الهداية»: أن الإمام إنما يقوم حذاء الصدر، لأن الإيمان في القلب، فدل على كونه محلَّ الإيمان عند الحنفية.
قلت: وذهب الأطباء إلى أن العلوم في الدِّماغ.
وصَدَع القرآن في غير واحد من الآيات أن الإيمان في القلب وقد تحقق (٢) عندي أن مَعْدِنَ الإيمان هو القلب، والمُظهِرُ هو الدِّماغ، ولقلة الفصل بين الانبعاث من القلب وظهوره في الدماغ قيل: إن الإيمان في الدماغ. وإنما اضطررتُ إلى التأويل المذكور، لأن القرآن صَدَعَ في غير واحد من الآيات بكون محله هو القلب، وإذن لا أصرفها عن ظاهرها.
فائدة: واعلم أن القلبَ كأنه إنسانٌ صغير بين جَنبي الإنسان الكبير، عليه مدارُ صحته، وسَقمِهِ، وصلاحِهِ، وفساده، وقد خلقه الله تعالى منكوسًا. ووجهه على ما ظهر لي: أن الله تعالى خلق الخلق على أنحاء: فمنه ما هو شاخصٌ من التحت إلى الفوق كالشجر. فإن أصله في الأرض وفرعه في السماء. ومنه ما هو منبسط في العرض كالحيوانات، فإنها خَلْق متوسط. وأما الإنسان فإنه لما هبط من السماء إلى الأرض صارَ خلقه كله من الفوق إلى التحت، فإن
_________________
(١) قلت: قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: قال بعضهم: إن الإيمان لا يقبل النقصان، لأنه لو نَقَصَ لا يبقى إيمانًا، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. وقال الداودي: سئل مالك عن نقص الإيمان، قال قد ذكر الله تعالى زيادته في القرآن وتوقف عن نقصه، وقال: لو نَقَصَ لذهب كله اهـ. ثم نقل عن أبي الحسن بعيد هذا. وأما توقف مالك رحمه الله تعالى عن القول بنقصان الإيمان فخشية أن يتناولَ عليه موافقةُ الخوارج. نقله في ذيل كون الإيمان زائدًا وناقصًا مما اتفق عليه السلف والخلف. ثم نقل العيني ذيل شرح قول المصنف رحمه الله تعالى: "قول وفعل، يزيدُ وينقص" عن سفيان بن عُيينة قال: الإيمان قول وفعل يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم: لا تقل: ينقص! فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقُصُ حتى لا يبقى منه شيء. انتهى.
(٢) قلت ووجدت في تذكرتي شيئًا لا أعتمد على كونه مقولة الشيخ رحمه الله تعالى، لكني أذكره لك، فإن كان حقًا فعليك به، لأن كلمةَ الحكمة ضالةُ الحكيم، فهو أحق بها حيث وجدها قال: إن الإيمان ما دام في القلب فهو من الأفعال، وإذا كان في الدماغ فهو من العلوم. انتهى. قلت: وهذا يدلُ على أن الأفعال الباطنية في القلب وعلومُها في الدماغ. وإنما ترددت فيه لأني وجدت في التذكرة الأخرى خلافَه، فليحرر.
[ ١ / ١٤١ ]
رأسه الذي هو أصلُهُ نحو الفوق على خلاف شاكلة الشجرة، فإن أصلها في الأرض وتنحدر أعضاؤُها كلها إلى التحت كاليدين، والرجلين، والأشعار، وحينئذٍ ناسب أن يكونَ القلبُ أيضًا إلى التحت، ففي خلقه إشعار بكونه عُلْويًا، على خلاف شاكلة سائر الخلق، ثم جعله في اليسار ليكون مِلْكُهُ في اليمين.
وأما محل المعرفة فذهب المصنف رحمه الله تعالى: إلى أنها في القلب.
أقول: المعرفة أقرب من العلم وليست بإيمان، بل هي من مقدماته. وقال المعتزلة: إن المعرفة الحقة اليقينية شرط للإيمان كما مر، لأنه لا إيمان عندهم إلا بالاستدلال المفيد للقطع. وعندنا يكفي له الجزم وإن حصل بالتقليد، والاستدلال غير ضروري. ونقل النووي ههنا عن القاضِي عِيَاض: أن الإيمان يزيد وينقص لزيادة المعرفة ونقصانها، فدل على أنها غير الإيمان، وهذا صحيح جدًا. وحينئذٍ تردد النظر في محلها هو القلب، أو الدماغ. نعم، المعرفة المكتسبة التي تحصل بعد الرياضات، وهي الإيمان الكامل، لا شك أن محلها القلب. وعلى هذا لو قال المصنف ﵀ في الترجمة الآتية: وإن الإيمان فعل القلب، لكان أحسن.
واعلم أن الرُّوح: طبعي، وحيواني، ونفساني، ومحل الأول: الكبد، وفعله التغذية، ومحل الثاني: القلب وفائدته الحياة، ومَعْدِن الثالث: الدماغ، وفائدته الحِسّ والحركة والروح عندي بعد الإمعان واحد، وإنما تعددت أسماؤه باعتبار الاختلاف في المواطن. ثم إن الأطباء حرروا عشرة آلاف حكمة في البدن الإنساني، غير أنهم لم يذكروا لكون القلب منكُوسًا حكمة، وقد ذكرتها. والعلم عند الله العليم الخبير.