وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
واعلم أن العلم عند الماتريدية: صفةُ مُودَعة في القلب، كالقوة البَاصرة في العين، من شأنها الانجلاء بالشروط اللائقة بها، فالعلمُ واحدٌ مع تعدُّد المعلومات. نعم، تعدُّد الإضافات ضروري. بخلاف الفلاسفة فإنهم قالوا: إنه حصول الصُّورة، أو الصُّوَر الحاصلة، ولا مُسكَة لهم على ذلك. ومن ههنا عُلم أن العلمَ والمعلومَ متغايران بالذات، لا كما زعموا أنهما متّحدان بالذات. ويتعلق بالمعدوم، لاكالفلاسفة القائلين بتوسُّط الصور؛ فإنهم لما استحالوا العلم بالمعدوم، ذهبوا إلى إقامة الصُّوَر في البين، وقالوا: إن الصورة تَحصلُ أولًا، ثم يحصلُ العلمُ بالمعدوم بواسطتها.
قلت: وليس في هذا غير تطويل المسافة، فإنَّا نسأل كيف تُعلَّقُ تلك الصورة بذي الصورة؟ فإن كان بصورة أخرى يلزم التسلسل، وإن كان بالمعدوم فليكن تعلّقُ العلم أيضًا كذلك، على أنه يلزم عليهم أن يَحْصَلَ العلم قبل المعلوم، فإن المعلومَ عبارة عن الصورة من حيث هي هي، وهي مأخوذة عن درجة العلم التي هي عبارة عن الصورة من حيث الاكتناف. وتَقَدُّمُ المأخوذ منه على المأخوذِ أمرٌ بَدَهِيّ، فلزم أن يحصل العلم قبل المعلوم، وتقدم الصورة المطلقة التي هي عَلَمٌ على الصورة الملحوظةِ بقيد الاكتناف لا ينفع ههنا، فهذا كله جهل وسَفَه.
والحق أن العلم يتعلق بالمعدوم والموجود، ولا يحتاج إلى تخلُّل الصُّوَر. ثم إن العلم حُسْنَه وقُبْحَه بحسنِ المعلوم وقبحه. وقد أبدع المصنف رحمه الله تعالى في الترتيب، حيث وضع الوحيَ أولًا، ثم الإيمان ثم العلم، ثُمَّ الطهارة ثم الصلاة إلخ.
واعلم أن العلمَ إنما يُعدُّ كمالًا، لكونِهِ وسيلةً إلى العمل المُفْضِي إلى رضائه تعالى، فالعلم الذي ليس على هذه الطريقة، فهو وَبَالٌ على صاحبه، وإليه يشير آخرُ الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ نبَّه فيه على ما به كمالُ أولي العلم والفوز بالدرجات. ثم إن العمل الصحيح يرضاه ربك، ولا علم به إلا من تِلقاء النبوة، فدعت الضرورة إلى الإقرار بالنُّبوة، ومَنْ أنكرها فهو صابئيٌّ مثل كفار يونان وعراق بعد نوح ﵊، فإنهم كانوا يُنْكرونها. ومرَّ ابن تيمية رحمه الله تعالى على تحقيقهم فلم يُدْرِكه. وقد ذكر الشَّهْرَسْتَاني مناظرة الحنفاء
[ ١ / ٢٣٩ ]
والصابئين في كتابه في نحو ثلاثين ورقة، وعَدَّها من غرائبه. ويتضحُ منها أنهم كانوا يُنْكِرون طَوْرَ النبوة.
ثم إن المفسرين تكلموا في فضل آدم ﵊ ورأَوْا أنّ فضله من جهة العلم، وهي عندي عبوديته، لأن الخلافةَ يستحِقُّها باعتبار الظاهر ثلاثة: آدم، والملائكة، وإبليس. أما إبليس فقد علمتَ حالَه، وأما الملائكة فإنهم سألوا ربهم عن سرّ الخلافة لَمّا كان ظاهرُ حال بني آدم يُنبىء عن سَفْك الدماء وغيرها، ولم يُحْسِنوا في السؤال، غيرَ أنهم لمّا لم يُصِروا عليه غُفر لهم. وأما آدم ﵊ فإنه لم يواجِه ربّه إلا بالتضرّع والابتهال حين ناداه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] مع أنه كان عنده جوابٌ أفحم به موسى ﵊ حين تناظر معه، كما في الحديث، إلا أنه لم يأت بحرف منه حين مواجهة ربه عبوديةً وطاعةً.
ومن ههنا عُلم سر المناظرة بين موسى وآدم ﵉، وإنما أظهر الله تعالى علمه لكونه وصفًا يمكن ظهوره، بخلاف العبودية، فإنها صفة مستورة في العبد لا سبيل إلى العلم بها، لا لكونه مَدَارًا للفضل، فعُلِم أنّ فضل العلم إنما يظهر إذا كان العمل يساعده، كآدم ﵊، فإن علمه عُدَّ فضلًا وكمالًا لعبوديته وعَمَلِه حسب عِلْمه. كيف وإنه وسيلة العمل، والوسيلة لا تفوق ما هو وسيلة إليه.
ولعلك الآن ذُقت معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ولا نُنْكِر فضل العلم، فإن مالكًا وأبا حنيفة رحمهما الله تعالى ذهبا إلى أن الاشتغال بالعلم خيرٌ من الاشتغال بالنوافل على عكس ما ذهب إليه الشافعي ﵀. وعن أحمد ﵀ روايتان: إحداها في فضل العلم، والأخرى في فضل الجهاد، كما ذكره ابن تيمية ﵀ في «منهاج السنة»، ولكني أردتُ بيان جهة الخلافة على ما كانت عندي. والله يعلم الحقَّ وهو يَهدي للصواب.
قوله: (قول الله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ﴾ إلخ) فيه أيضًا سابِقِيَّة للإيمان على العلم، والآية سيقت لبيان فضل عامة المؤمنين، ثم للعلماء لا للثاني فقط. ومعنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي الذين آمنوا ومع ذلك أُوتوا شيئًا آخر وهو العلم.
قوله: (﴿دَرَجَاتٍ﴾) جمع درجة، يُستعمل في الجنة، كالدَّرَكَات جمع دَرَكَة في النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قوله: (وقوله ﷿: ﴿رَّبّ زِدْنِي عِلْمًا﴾) دلالته على فضل العلم واضحة.