١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». طرفه ٣٧٨٤ - تحفة ٩٦٢
لما فرغ من الحُبِّ مطلقًا وكان عامًا، أرْدَفَه بذكر محبة الطائفة، وانتخب منها الأنصار، وجعلها علامةُ الإيمان، فذكر أولًا: الإيمان، ثم حلاوتَه، ثم علامته ومأخذ الحديث، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] وفي الآية استعارتان عند علماء البيان: الأولى: في الفعل استعارة تبعية، والثانية: في الإيمان استعارة أصلية. وعند النُّحاة هي من باب - علفتها
_________________
(١) وتلك المناظرة طويلة وأصلُ المناظرة في مسألة تقديم الكفارة على الحنث. وهاك بعض عبارات منها تتعلق بموضوعنا. قال الطَّالقَاني رحمه الله تعالى: ويدل على ذلك أن الكفارةَ وضعت لتغطية المآثم، وتكفير الذنوب، واسمها يدل على ذلك، ولذلك قال النبي - ﷺ -: "الحدودُ كفاراتٌ لأَهلِها" وإنما سماها كفارة لأنها تُكفِّر الذنوب وتغطيها إلخ، ثم قال في ذيل كلامه على ص ١٨٤ والكفارةُ وجبت لتكفير الذنب؛ وتغطية الإثم، ثم قال على وأما الدليل الثالث الذي ذكرته من كون الكفارة موضوعة لتكفير الذنب فصحيح إلخ، ثم قال في تلك الصفحة: ولهذا قال تعالى في قتل الخطأ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وهذا يدلُ على أن كفارةَ قتلِ الخطأ على وجه التطهير والتوبة. انتهى. فتلك عباراتٌ تترى تُنادي بأعلى نداء: أن الحدود كفارات لأهلها، ولهذا تردد الشيخ رحمه الله تعالى في مذهب الحنفية، ثم الذي قال بكونها زواجر لم ينسبه إلى الإمام الأعظم رحمه الله تعالى، فإن كان ذلك لأنه لم يُنقل عن الإمام الأعظم، فظاهر أنه لا يكونُ مذهبًا، وإن كان الإغماض لمجرد تساهل، فأمرٌ آخر. وبالجملة: كون الحدود زواجر مذهبًا للإمام محل تردد عند الشيخ رحمه الله تعالى، وذلك للاختلاف في النقول. قال الشيخ رحمه الله تعالى في سبب انعقاد تلك المناظرة: أن القاضي أبا الطيب الطبري والقاضي أبا الحسن الطَّالقَاني حضرا مرة في جنازة، فاشتاق الناس أن تجريَ بينهما مناظرة، ليستفيدوا من علومهما وكان بينهم القُدُوري وأبو إسحاق الشافعي، فأبدوا بحاجتهم إليهما، ولكنهما أشارا إلى القاضيين، فجرت المناظرةُ كما سردها في الطبقات. والناظرُ يتعجب من أبحاثهما، فإنهما تكلما في المسألة بدون أهبة ولا سابقية خبر، ثم أفاضا بحورَ العلوم ودررَ المعاني، فلله دَرُّهما.
[ ١ / ١٥٩ ]
تِبْنًا وماءً باردًا، واختار العلامة فيه التضمين، في «حاشية الكشاف» وأنكر عليه ابن كمال باشا، وقال: إنه وَهْمٌ توهم من عبارة «الكشاف».
والمعنى عندي: الذين جعلوا الإيمان مبوأهم، ومقعدهم، كأن الإيمان أحاط بهم، وهؤلاء قاعدون فيه، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] فالإيمان ظَرْفٌ، وهؤلاء مَظْرُوفُون، وهو كناية عن كمال دينهم، وفيه ترغيب للمهاجرين بحبهم، ولذا جعله الحديث من علامة الإيمان وفيه تنبيه على أن حب أهل ورد الرجل، والخلص من أحبائه، أيضًا ضروري وإن كانوا أجانب، فإن حبَّ أقاربِ النبي ﷺ مما فُطِرَ عليه كل مسلم، يعلمه من فطرَتِهِ، أما حبُّ الأنصار الذين فدَوْه من أموالهم وأنفسهم، لكونهم أجانب قد يَذَهَل الذهنُ عن حبهم، فنبَّه على أن حبَّهم أيضًا من علامات الإيمان، لكونهم حَلُّوا منه محلَّ أهلِ البيت من الرجل، وفي الحديث: «من بر الولد إكرام أهل ولد أبيه» (بالمعنى).