لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَقَالَ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١].
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «حَجٌّ مَبْرُورٌ». طرفه ١٥١٩ - تحفة ١٣١٠١
وبعدُ الشيخ قطب الدين في بيان الغرض حيث قال: إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل إلى الرد على المرجئة القائلين بأنه القول بلا إله إلا الله فقط، فقال ردًا عليهم: إنه عملٌ وليس بقول فقط. وعندي قد فرغ عنه المصنف رحمه الله تعالى من قبل، وإنما يريد الآن النصَّ على أن الإيمانَ عملُ القلب كما كان نصَّ أولًا على أن المعرفة فعل القلب (١) والعملُ لا يكون إلا
_________________
(١) قلت: وحينئذٍ لا يرد ما أورد عليه الشيخ في "العمدة" بقوله: وههنا مناقشة أخرى: وهي أن إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث، إن الإيمان هو عمل القلب، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العملُ من نفس الإيمان، وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباتَه أن العملَ من أداء الإيمان، لعل الصحيح من أجزاء الإيمان، ردًا على من يقول: إن العملَ لا دخلَ له في ماهية الإيمان، فحينئذٍ لا يتم مقصودَه على ما لا يخفي، وإن كان مرادُه جواز إطلاق العمل على الإيمان، فهذا لا نزاع فيه لأحد، لأن الإيمان عملُ القلب وهو التصديق. انتهى. "قلت": وذلك لأنك قد علمت أن البخاري ﵀ لم يردْ بهذه الترجمة إلّا التنبيهَ على كونه عملًا دون الرد على المرجئة، وأما قوله: فهذا مما لا نزل فيه. "قلت": وأي حاجة أن نجعلَ ترجمتَه ناظرةٌ إلى المنازعين، لم لا يجوزُ أن تكونَ بيانًا للمسألة في نفسها وهو أهم؟ لا سيما إذا كان التصديق عَلَمًا عند طائفة من أصحاب المعقول.
[ ١ / ١٨٣ ]
اختياريًا، فالإيمان أيضًا فعلٌ اختياري، ووجه الإشارة أنه قصرَ الإيمانَ على العمل، أي أن الإيمان مقصورٌ على كونه عملًا لا يتجاوزَ إلى صفة أخرى، من كونه علمًا أو غيره، ولا شك في أنه عملُ القلب، وأما من فسره بالمعرفة، فأراد بها ما تستوجبُ العمل، ولا ما تجامعُ الجحود، كما مرّ ولو كان غرضُ المصنف رحمه الله تعالى ما فَهِمُوه لقال: إن الإيمانَ عملٌ بدون القصر، لأن القصرَ إما قصر قلب أو إفراد ولا يصح واحدٌ منهما؛ لأن المعنى على الأول: أن الإيمانَ عملٌ ليس بقول، وعلى الثاني: أنه عملٌ وليس بمجموع القول والعمل، وكلاهما خلافُ المراد. وأما قصر التعيين فلا يحتملُه المقام. ومنه ظهرت المناسبة بين الآيات، والحديث، والترجمة، فإنها أطلقت العمل على الإيمان، بمعنى أن الإيمانَ من أكبر الأعمال، لا أن قوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ منحصرٌ في الإيمان، وكذا سُئل النبي ﷺ عن الأعمال، وأجاب بالإيمان، فاتَّضَحَ أن الإيمانَ عملٌ.