٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». طرفاه ٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - تحفة ١١٦٥٥ - ١٥/ ١
والمراد من المعاصي هي الكبائر، أما الصغائر فأمرها هينٌ برحمة الله، فإن الحسناتِ يذهبن السيئات. ﴿ولا يكفر صاحبها﴾ أي عند الجمهور فإنهم قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس
[ ١ / ١٩٢ ]
بكافر ما دام يكون جازمًا بالشهادتين، ومقرًا بهما، خلافًا للمعتزلة، فإنهم قالوا: بالمنزلة بين المنزلتين.
أقول: قوله: «ولا يكفر صاحبها» على تقدير تحقيقه «كفر دون كفر» مُشْكِل؛ فإن موجبه أن يجوزَ إطلاقُ الكفر ولا يتأخر عنه. والجواب عندي: على تقدير التسليم أن مراده الإيذانُ بعدم إكفار صاحب المعصية من جانبه، والاقتصارُ به على المواضع التي ورد بها الشرع. فأينما حكم القرآنُ والحديثُ على أمر بكونه كفرًا جَاز لك إطلاق الكفرِ عليه على طريق: كفر دون كفر، وإلا فلا يُسوَّغُ لك إِطلاق الكفر عليه. وهذا كَحَذْر الشريعة عن اللّعْن، فلا يُسوَّغ لأحدٍ أن يلعن أحدًا من عند نفسه.
ووجه الإشارة أنه جاء بلفظ المضارع، فمعناه لا يكفر في المستقبل. أما الإطلاقُ الذي مضى من جانب الشرع، فهو ماض، والمنع في المستقبل مخافةَ شيوعه في المحل وغير المحل. وعندي شرحٌ آخر أيضًا: وهو أنه لا يكفر صاحبها، لأن المبتادر من إطلاق الكفر، هو كفر الخلود، فيمنع عن إطلاقِهِ دفعًا لهذا التوهم. وله شرحٌ ثالث أيضًا: وهو يُبنى على ما أخرجه الهيثمي في «الزوائد» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه عدّ عِدَّة أشياء ثم قال: ويقال بتركه: به كفر، ولا يقال: إنه كافر، ونحوه رأيت عن علي رضي الله تعالى عنه، ولكن في إسناده راوٍ كذاب. وعن الدارمي (١) أيضًا مثله حيث قال: يقال: به كفر، ولا يقال: إنه كافر.
قلت: إنه لا يُسمَّى كافرًا لأن إطلاقَ اسم الفاعل على من صَدَرَ عنه الفعل مرةً ولم يتكرر، ليس بلطيف في العُرْف، وإن جاز عقلًا. نعم إذا تكرر وصار صفةً له لَطُف إطلاقه. ولذا يقال: إن الفعلَ للواقعة، فمن ضرب مرة يقال: إنه ضرب ولا يقال: فلان ضارب، وفلان سارق وفلان زانٍ، إذا لم يتكرر منه ذلك الفعل. فإن قلت: إن القرآن لم يقل بن كفرٌ بل أطلقَ لفظ الكافر في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قلت: هذا إطلاق على الطائفة لا على الشخص، وكلامنا في الشخص دون الطائفة، فإنه يجوز أن يقال: لعنةُ الله على الكاذبين، بخلاف لعنة الله عليك، وإن كان كاذبًا.
ويمكن أن يكونَ المصنفُ رحمه الله تعالى أراد منه بيانَ المسألة فقط. بأنه لا يكفر العاصي، ولم يكن أراد شرحَ الأحاديث التي وَرَدَ فيها إطلاق الكفر على المعاصي، وتأويلها بكفر دون كفر. ويحتمل أن يكونَ أراد من قوله: كفر دون كفر، إفادة التشكيك فيه، وأراد من
_________________
(١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: وكان الدارمي في طبقة البخاري رحمه الله تعالى، وكان أسنَّ منه، ولذا تجد الثلاثيات عنده أزيد من البخاري، وكنيته أبو محمد، ولم يكن البخاري رحمه الله تعالى يُنشدُ شِعرًا، فلما توفي الدارمي أنشد شعرًا على وفاته، وعند محمد بن الحسن رحمه الله تعالى توجد الثنائيات أيضًا، وفي تقرير الفاضل عبد العزيز أن الثنائيات لمحمد رحمه الله تعالى قد جمعها عالم ببلدة الكشمير، وكانت عند شيخنا رحمه الله تعالى أيضًا.
[ ١ / ١٩٣ ]
المعاصي غير ما أطلق عليه الكفر. والمقصودُ أن ما أطلق عليه الكفرُ في الشرع فقد اندرج في باب كِفر دون كفر. وأما المعاصي من غير هذا النوع فلا يُطلق عليه الكفر، ولا يكفر صاحبها لهذا النوع. ولذا أخرج تحت هذا الباب حديث: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولم يُخرج نحو: «قتاله كفر». وأخرج في الباب الأول حديث: كُفران العشير، لمجيء إطلاق الكفر فيه. فيقال في أمثال تلك المعاصي: فيك جاهلية، ولا يقال: فيك كفر. ومن ارتكب القتل والعياذ بالله يقال له: به كفر، هذا كلُّه على ما شرحوا به.
وأما الغرضُ منه على ما قررتُ مرادَه، فالصدع بعدم إطلاق الكفر على المعصية، والتصريح بأنه لم يرد من الباب السابق أن الكفر عرض عريض ولو كان ذهبَ إليه لجوَّز ذلك الإطلاق، فكأنه احتراسٌ منه، وتصريح بعدم إطلاق الكفر من ارتكاب المعصية، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ وهذه الآية نصٌ لأهل السنة والجماعة. وتأوَّل فيها الزَّمخشري. والشرك أخصُّ من الكفر، لأنه الكفرُ مع عبادة الغير، فهو أغلظُ أنواعه. فإنكار الرسالة كفرٌ وليس بشركٍ. وإنما ذكرَ فيها الشركَ خاصة والله أعلم، لأن أكثرهم كانوا يشركون في العبادة فوردت الآية ناعية عليهم. وإنما المراد الكفر مطلقًا (١). ثم استشهد المصنف رحمه الله تعالى من آية أخرى وفيها أيضًا إطلاقُ المؤمن على العاصي، لأن الاقتتال معصية، غير أنه يُوجبُ أن يكونَ اقتتالهم المذكور في الآية كبيرةً، ليثبت إطلاق الكفر عليها، حتى يلزم صحة إطلاق المؤمن على من فيه كفر دون كفر.
قلت: إنما أراد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب إطلاق المؤمن على من فيه جاهلية، ولا ريب في كون الاقتتال من أمور الجاهلية. وحينئذٍ لا حاجة إلى جعل هذا الاقتتال كبيرة.
_________________
(١) ووجدت في تقرير الفاضل عبد القدير فيما ضبطه من كلام الشيخ رحمه الله تعالى جوابين آخرين، وتعريبهما على ما فهمت: أن الأولى بحال القرآن البحثُ عن أسباب الشيء لا عن نفسه، والشركُ سبب من أسبابِ الكفر، والكُفْرُ حكمُهُ يتفرع عليه، فاستحسن التعرضَ للشرك دون الكفر، والجواب الثاني: أن عدم مغفرة الكافر غير المشرك واضحٌ، فإنه إما بإنكاره بوجود الله ﷾ وعدم مغفرته ظاهر، أو بإنكار رسوله والمناواة، والمعاداة، بذي منصب من الحكومة نفسها، فالبغاوة مع الرسول أيضًا يفضي إلى البغاوة مع الرب عز اسمه، وليس جزاء الباغي إلّا الهلاك، فمنكره، أيضًا هالك على ظاهر الأمر، نعم، الإشكال فيمن أقر بربه ثم جعل يدعوا له ندًا في ذاته أو صفاته، فهل تناله المغفرة أو لا؟ فنبه على أنه أيضًا كأخوين إن مات عليه، و"بالجملة" كان الغموضُ في مغفرة المقر المشرك، لذا وقع التعرض له خاصة. وهناك جواب آخر للشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى في تفسيره ولا يعلق بالقلب ولا ثقة بالنُّسخة أيضًا، غير أن المولوي عبد الله قال: إن نسخة من تفسيره بلغت إلينا من حيدر آباد فطبعناها والشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى معاصر لابن عابدين الشامي ولكنه أفقه منه عندي، ومراد البخاري رحمه الله تعالى أن الكفرَ لما كان غير معفوٍ وما دون الشرك معفو، لزم أنه ليس بكفر، ولا يطلق عليه الكفر، انتهى ما نقله في تقريره.
[ ١ / ١٩٤ ]
٣٠ - قوله: (وعليه حلة) وفيه مسامحة من الراوي، لأن الحُلة اسم للثوبين من جنس، ولم يكن عليه ثوبان من جنس، لما عند المصنف رحمه الله تعالى في «الأدب» بلفظ: «رأيت عليه بُرْدًا» وعلى غلامه بُرْدًا. فقلت: لو أخذتَ هذا فلبستَه كانت حُلة ولأبي داود: فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غُلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حُلة. ثم أجابه أبو ذرٍ بحكاية القصة التي كانت سببًا لذلك. ولفظُ الحديث وإن اقتضى المواساة دون المساواة، لكنه حَمَلَه على المساواة تشديدًا على نفسه. وههنا دقيقة أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
(ساببت رجلًا) والرجل هو عَمَّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه كان يطعن فيه أن أمه سُمية أمة. والحق أنها لم تكن أمة، بل اتُّخذت أمةً بالقهر. وفي «الفتح» أنه بلال.
واعلم أنه قال أرباب التصانيف: إن سبَّ الصحابة ﵃ فسقٌ. وقال بعضهم: إن سبَّ الشيخين كفر، والمحققُ أن سبَّ الصحابة ﵃ كلِّهم أو أكثرهم كفرٌ. وسبَّ صحابي واحد أو اثنين فسق، وسب أحدهما الآخر ليس بكفر، فإنه يكون لداعية، لا لمجردِ تبريدِ الغيظِ. بخلاف سبِّ من بعدهم إياهم، فإنه ليس بسبب صحيح، بل لمجرد تبريد الغيظ. قد فإنهم انقطعوا عن الدنيا، ولم يبق لهم معاملة مع الناس، فلا يقعُ مَنْ يقعُ فيهم إلا لأجل الغيظ منهم، ثم إنهم اختلفوا في إكفار الروافض، ولم يكفرهم ابن عابدين ﵁. وأكفرهم الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقال: إن من لم يكفرهم لم يدر عقائدهم. ثم فصل في المسألة وبه أفتى، والله أعلم.
٣١ - قوله: (لأنصر هذا الرجل) وهو عليٌّ ﵁.
قوله: (القاتل والمقتول في النار) ومع هذا أقول: يمكن أن يكون بينهما فرقًا من جهة مباشرة القتل من جانب، وعدم المباشرة من جانب آخر، وإن كانا في النار. وعَرْضُ هذا الحديثَ في واقعة علي ﵁، ومعاوية ﵁ في غير محلهخ فإنَّ الحديث فيمن قاتل على الظلم والجَور. وأما عليٌ ﵁ فكان على الحق، وأما معاوية ﵁ فكان أيضًا على الحق عنده. ولذا كان أكثر الصحابة ﵃ مع علي ﵁، ولا أعلمُ أحدًا من الأنصار تخلّف عنه. غير أن المهاجرين اختلفوا، فتردد بعضهم، وسكت بعضهم، كابن عمر ﵁، ودخل بعضهم مع معاوية ﵁.
ثم إن العقلَ يكادُ يعجز عن إدراك مما كان في صدورهم من تقوى الله، حيث كان علي ﵁ يقول في ابن عمر ﵁: لله دره، وكان ابن عمر ﵁ حين وفاته يبكي على تأخرِه عنه، لما تبين له الحق، ولا ينقل عنهما أن يكونَ أحدهُما طعن على الآخر. ولو كان الأمر كما هو الآن لصارا عدوين يغتابُ أحدهما الآخر ويقع فيه والعياذ بالله ثم هذا لا يناقض قوله «السيف محاء للذنوب» وهو أيضًا حديث قوي. لأن موردَه فيما لم يُرِدْ المقتولُ قتلَ صاحبه، بخلاف هذا الحديث. وإذا صح أن السيفَ محاءٌ، أي يمحو الذنوب، ظهر شرح آخر لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] وهو أن المراد من قوله: «أن تبوء بإثمي» مَحْوُه عنه من أجل سيفه.
[ ١ / ١٩٥ ]
وحاصله: إني أرضى أن تكون من أصحاب النار بإثمك، وينمحي إثمي من سيفك، لأن السيف محاء. فكأنه إذًا انمحى عنه إثمه من سيفه، ومن فعله، فكأنه باء به ورجع بإثمه، وذهب به معه. لا بمعنى أنه طُرِحَ عليه ليخالف قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فالقاتلُ حملَ وزرَ نفسِه، ولكنه محى عن المقتول ذنوبَه أيضًا، فكأنه ذهب بذنوبه معه، وإن لم يحملها على نفسه.
والحاصل: أن قوله تعالى: ﴿أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ إنما هو بطريق محو الإثم عن المقتول، لا بحملِهِ على نفسه. وإنما ذكر هكذا في التعبير تهويلًا، والمراد ما قلنا، والقرينة عليه ما بينا أعني حديث المحو. وقد مر بعض الكلام في حديث هِرَقْل تحت قوله: «وعليك إثم اليريسين»، وقد شرحت هناك أن المراد منه: إثم إهلاك اليريسين عليك، أما إثم كفرِهم فعليهم.