لما قدَّم تفاوت المراتب في الكفر عَقِّبَه، بكون النفاق أيضًا كذلك. ولا إشكال فيه على تحقيق الحافظ ابن تيمية ﵀، فإنه يمكن أن توجدَ في المؤمن خصائلُ النفاق، بل خصائل الكفر. نعم يشكلُ على الجمهور، فإن هذه الأشياء إذا كانت علامات على النفاق أوجب وجودها سلب اسم الإيمان عمن تحققت فيهم. فأجاب عنه بعضهم بأنها كانت علامات للمنافقين في عهده ﷺ خاصّة.
وأقول: العلامة غير العلة، فهذه علامات وأمارات للنفاق، وهي تتقدم على وجود الشيء، فيكون النفاقُ سابقًا عليها، وتلك علامات عليه. فمن تحققت فيه هذه، لا يحكم عليه بالنفاق، لأن تحققَ العلامة لا يستلزمُ تحقق المعلَّم عليه، بل يقال: فيه خَصلةٌ من النفاق. ولأن قيامَ المبدأ لا يوجبُ إطلاقَ المشتقِ عند الأدباء، ما لم يعتاد به حتى يصير له كالعَلَم كما مر.
وبعضهم قَسم النفاق: إلى عملي واعتقادي كما فعله البيضاوي في «شرح مصابيح السنة». قلتُ: دعه، فإن النفاق أمرٌ واحدٌ، وهو العمل بخلافِ الاعتقاد، أو الاعتقادُ بخلاف العمل. أما الأول فكالمنافقين (١) في زمنه ﷺ، فإنهم كانوا يعملون أعمال المسلمين، مع أن باطنَهم كان
_________________
(١) واعلم أن البيضاوي لم يصنف كتابه على طور المحدثين، بل أخذ كثيرًا من "الكشاف"، وصاحبُ "الكشاف" يأتي في كتابه "الفائق" بالموضوعات أيضًا فاعلمه، هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز الكاملفوري.
[ ١ / ١٩٨ ]
مملوءًا ظلمةً وكفرًا. وأما الثاني فكما ترى اليوم كثيرًا من المسلمين، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ الله.
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». أطرافه ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥ - تحفة ١٤٣٤١
٣٣ - ثم إن قوله: (إذا حدث كذب) يتحقق فيما قال، أو فعل شيئًا في الماضي، فحكى عنه بخلافه.
وقوله: (إذا وعد أخلف) يكون في المستقبل. وفيه أن الإخلافَ نوعٌ آخر غيرُ الكذبِ، وإن كان أهل العرف يعدُّونهما واحدًا، وإنما كانت هذه علامة على النفاق، لأن الظاهرَ من حالِ المؤمن أن يخبرَ عن الواقع كما هو في نفس الأمر، وهكذا الأليقُ بحاله أن يوفِّى بما وعد، ويظهرَ الحق عند الخصومة، لكنه خالف الظاهر، فإذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر ولم يظهر الحق، فكان كذي الوجهين باطُنه غير ظاهره، فصلحت تلك الصفات، لكونها علائمَ على النفاق.
والفرق بين الوعد والعهد: أن الوعد يكون من طرف، والعهد من طرفين، وفي خلف الوعد عندنا، قولان: الأول: أنه مكروهٌ كراهةً تحريم، والثاني: كراهة تنزيه. هكذا نقله النووي رحمه الله تعالى. قلت: بل الأمر عندي أن يُقسَّم على الأحوال (١): فإن أرادَ الإِخلافَ عند الوَعْد كُرِه تحريمًا، وإن أراد الإنجاز ثُم مَنَعه مانعٌ لا يكون مكروهًا. والعهد يقابله الغدر. والفجور معناه أن لا يتمالَكَ نفسَه عند الخصومة، وينزل إلى السِّباب "يعني ابني آبى مين نه رهى أوكالى كلوج براتر آوى".
قوله: (حتى يدعها) وإنما زادها لأنه إذا تركَ هذه الخصائل، حتى خرج عنها وخرجت عنه، لا يبقى عليه حكمُ النفاق، كما في تمثيل إيمان الزاني، أنه يصيرُ كالظُّلة حين يزني، فإذا فرغ منه رجع إليه.