٤١ - قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا». تحفة ٤١٧٥
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». تحفة ١٤٧١٤
قسم الإسلام إلى الحُسن وغيره بعد تقسيمه إلى العسر، واليسر، والحُسن أيضًا من الإيمان، كما أن حُسنَ الوجهِ من الوجه. واعلم أن ههنا إشكالًا: وهو أن المصنفَ رحمه الله تعالى تركَ قِطعة من الحديث وأخرجها النووي رحمه الله تعالى في «شرح مسلم» وقال: ذكره
_________________
(١) قلت هذا الاحتمال جيد جدًا لو كانت الألفاظ تؤيده، ولم أسمع من شيخي رحمه الله تعالى غير تلك القطعة، ولا اتفق لي مراجعة في الباب، والله أعلم، فلا أدري ماذا قال الشيخ؟ وماذا فهمت؟.
[ ١ / ٢١٠ ]
الدارقطني في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلَّها أن الكافرَ إذا حَسُنَ إسلامهُ يُكتب في الإسلام كل حُسَنَة عملها في الشرك. انتهى.
وهذه القطعة ليست في البخاري فقال قائل: إن المصنفَ رحمه الله تعالى حَذَفَها لإشكالها، لأنها تدلُ على أن حسناتِ الكافر أيضًا معتبرة.
قلت: وهو كما ترى، والوجه عندي: أن تلك القِطعة الواردة في حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله تعالى عنه ليست في أحدٍ من الروايات التي رُويت في هذا الباب، أي في معنى هدم معاصي الكفر بعد الإسلام، وإن كانت ثابتة في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «الإسلامُ يهدمُ ما كان قَبْله» وإن كان مغايرًا لحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه بحسَب ضابطة المحدثين، إلا أنه لاتحادِ المعنى يمكنُ أن يكونَ واحدًا عند المصنف رحمه الله تعالى. ولما لم ترد تلك القطعة في أحد من تلك الروايات سوى حديثِ أبي سعيد رضي الله تعالى عنه فيما أعلم تردد فيها وتَركها والله أعلم.
بقي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله أنؤاخذُ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: «من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخذْ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأولِ والآخر». فقال النووي رحمه الله تعالى في «شرحه»: إن المراد بالإحسان الدخولُ في الإسلام ظاهرًا وباطنًا، ومن الإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، وكونه منقادًا في الظاهر مُظهِرًا للشهادتين غير معتقدٍ للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفرِهِ بإجماع المسلمين، فيؤاخُذُ بما عمل في الجاهلية، قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارِهَا، لأنه مستمرٌ على كفره. انتهى.
قلت: والمراد من إحسانِ الإسلامِ عندي أن يُسلم قلبُهُ، ويتضمن إسلامهُ التوبة عما فعل في الكفر، فلم يعد بعد الإسلام إليها، فهذا الذي غُفر له ذنبه. ومن إساءة الإسلام أن يُسلم ولم يتضمن إسلامُهُ التوبة عن معاصيه التي زلفها في الكفر، واستمر على ما كان، فهذا وإن صار مسلمًا إلا أنه يُؤخذُ بالأول والآخر، وعلى هذا فحديث الهدم محمولٌ على ما تضمن إسلامُهُ التوبة، وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه على ما لم يكن كذلك.
ثم ههنا حديث آخر عن حكيم بن حزام عند مسلم: أنه قال لرسول الله ﷺ أرأيتَ أمورًا كنت أتحنثُ بها في الجاهلية هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ «أسلمت على ما أسلفت من خير» وهذا يدل على اعتبار حسناتِ الكافر في كفره. وأوَّلَه الناسُ بتأويلات ذكرها النووي رحمه الله تعالى. وعندي لا تأويل فيه، بل هو على ظاهرِه، وليَ جزمٌ بأن طاعاتِ الكفار نافعة بتًا، كما مر في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه صراحةً من أن الكافرَ إذا حَسُنَ إسلامه يكتب له في الإسلام كلُ حسنة عملِها في الشرك.
إلا أن حسناتِ الكافر على نحوين منها كالحِلْم، وصلة الرَّحم، والإعتاق، والصدقة،
[ ١ / ٢١١ ]
فهذه كلُّها نافعةٌ له في الآخرة، وإن لم تكنُ منجية، فإن المنجيَ من النار هو الإيمان لا غير، إلا أنها تصير سببًا لتخفيف العذاب شيئًا، ولذا أجمعوا على أن الكافرَ العادل أخفُّ عذابًا من الكافر الظالم، وكذا عُلم من الشريعة تفاوت دركات العذاب، وليس هذا إلا لنفع الطاعات يسيرًا.
بقيت العبادات، فلا تعتبرُ أصلًا، فما أول به النووي في «شرحه» قول الفقهاء، وقال: وأما قول الفقهاء: لا تصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يُعتدّ بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة. انتهى. ليس بصواب عندي قطعًا، فإن عبادات الكفار ليست بمعتبرة في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة، ولذا لم تُذْكر في حديث حكيم بن حِزَام غير العتق وأمثاله، ولم تذكر فيها العبادات أصلًا.
فالحاصل: أن الطاعاتِ والقُرُباتِ، كلُّها نافعةٌ للكافر، أما العبادات فغيرُ معتبرةٍ أصلًا بلا تأويل والله أعلم بحقيقة الحال.