وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ،
_________________
(١) وكان وهب بن منبه أيضًا يهوديًا عالمًا بالتوراة، ثم أسلم إلا أنه كان أصغر من كعب، وكان كعب من علماء الشام ووهب من اليمن، هكذا في تقرير الفاضل عبد القدير.
[ ١ / ٢١٣ ]
ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». أطرافه ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - تحفة ٥٠٠٩
واعلم أن قِصة هدا الرجل تُشبه بقصة ضِمام بن ثعلبة، فاختلفوا فيه أنهما واقعتان، أو واقعة واحدة، وأتى ضِمام في السنة الخامسة، فاعلمه.
٤٦ - (إلا أن تطوع) واستدلَ منه الشافعية على نفي (١) وجوب الوتر، وليس بشيء. واستدل منه الحنفية أيضًا على أن النوافلَ تلزمُ بالشروع، وجعلوا الاستثناء متصلًا، أي فإنه يجب عليك. وجعله الحافظ رحمه الله تعالى منقطعًا. قلت: إن مالكًا ﵀ أيضًا يوجب القضاء فيما أبطله بلا وجه. وأجمع الكلُّ في إيجاب القضاء بعد إفساد الحج. ونظر الحنفية في سائر العبادات كنظرهم في الحج.
وأحسنُ ما يُستدل به للمذهب ما اختاره صاحب «البدائع» وقال: إنه نذرٌ فعليٌ، فقسم النذرَ إلى قولي وفعلي، وجعل الشروعَ نذرًا فعليًا، وهذا جيد جدًا. أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فليس بناهضٍ، لأن الآيةَ إنما سيقت لبطلان الثوابِ لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ثم أقول: إن الحديث خارجٌ عن موضع النِّزَاع، فإن الإيجاب المذكورَ فيه إنما هو الإيجابُ من جهة الوحي، ومسألة لزومِ النفل بالشروع إنما هو في إيجابِ العبد على نفسه شيئًا بِخَيْرَتِهِ وطوعه، فافهم ولا تعجل.
«وأبيه» وفيه حَلفٌ بغير الله. قال الشوكاني: وهو من فَلَتَات لسانِهِ ﷺ والعياذ بالله أن تجري على لسانه فَلْتة ما تكون فيه شوائب الشرك. مع أنه قد ثبت عنه في نحو أربعة أو خمسة
_________________
(١) نقل المَقْرِيزي في "تلخيص قيام الليل" لمحمد بن نصر حِكاية أن رجلًا سأل أبا حنيفة ﵀ أن الله تعالى كم فَرَضَ من الصلوات؟ فقال: خمسا، فقال: أين الوتر؟ فأعاد عليه السؤال، كل ذلك يجيبُه الإمام رحمه الله تعالى بأنها خمس، فسخِر منه الرجل وقال: إنه لا يدري الأعداد أيضًا. "قلت": أما محمد بن نصر فما أقول فيه، فإنه رجل عظيم القدر، أما هذا السائل فإنه عَجزَ أن يفهم جواب الإمام رحمه الله تعالى، مع أنه كان أجابه مرتين، فإن الوتر تابعٌ للخمس وإن كان مستقلًا في بعض الأنظار وبعض المسائل، وقد أنكر صاحب "البدائع" من كونه تابعًا للعشاء، وإني أعلنُ على رؤوس الأشهاد بأنه تابعٌ للعشاء عندي قطعًا، وإن لم يكن تابعًا في بعض الملاحظ، فذلك أمرٌ آخر.
[ ١ / ٢١٤ ]
مواضع، وقيل: إنه تصحيف «والله»، وقيل: إنه منسوخ وهو مهمل. وأحسنُ الأجوبة ما ذكره الجلبي (١) في «حاشية المطول» على لفظ: «ولعمري»، والشامي على «الدر المختار» في
_________________
(١) وقال فاضل الروم حسن جلبي في "حاشية المطول": ويمكن أن يكون المراد بقولهم: لعمري وأمثاله ذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط، لأنه أقوى من سائر المؤكِّدَات، وأسلمُ من التأكيد بالقسم بالله تعالى، لوجوب البِرِ به، وليس الغرضُ اليمينَ الشرعي، وتشبيه غير الله به في التعظيم، حتى يردَ عليه أن الحَلِفَ بغير اسمه تعالى وصفاته ﷿ مكروه كما صرح به النووي في "شرح مسلم"، بل الظاهرَ من كلام مشايخنا، أنه كفرٌ إنْ كان باعتقادِهِ أنه حَلِفٌ يجب البرِ به، وحرام إن كان بدونه، كما صرح به بعض الفضلاء وذكر صورة القسم على الوَجْه المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين العلماء، كيف وقد قال ﵊ "قد أفلح وأبيه إن صدق" وقال عزّ من قائل ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢] فهذا جري على رسم اللغة وكذا إطلاق القَسَم على أمثاله. اهـ. وكذا في "رد المحتار": والجلبي في لغة الروم، بمعنى مولانا، ثم إن الحسن الجلبي هذا متقدم على أخي الجلبي محشي "شرح الوقاية" كذا قاله شيخنا ﵀. قال الحافظ فضل الله التُّورِبِشْتِي ﵀ في شرحه على المصابيح: وقد ذهب فيه بعض العلماء إلى النسخ طلبًا للتوفيق بين ما نقل فيه عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبين النهي الوارد فيه، ولا أراها إلّا زلةً من عالم، فإن النسخ إنما يتأتّى فيما كان في الأصل جائزًا وروي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وكل ما كان راجعًا إلى إخلاص الدين وتنزيه التوحيد عن شوائب الشرك الخفي فإنه مأمورٌ به في جميع الأديان القويمة وسائر القرون الخالية. وإنما الوجه فيه -والله أعلم- أن نقول: قد رُوي عن النبي - ﷺ - في حديث طلحة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه: جاء رجل من أهل نجد ثائر الرأس إلى رسول الله - ﷺ - الحديث. وفيه قال رسول الله - ﷺ - أفلح الرجل وأبيه إن صدق - فإنه ليس بحَلِفٍ، فإن النبي - ﷺ - لم يكن يشرك بالله، وقد أخبر أنه شِرْك، وإنما هو تدعيمٌ للكلام وصلة له، وهذا النوع وإن كان موضوعًا في الأصل لتعظيم المحلوفِ به، فإنهم قد أسبغوا فيه حتى كانوا يدعمون به الكلام، ويوصلونه وهذا النوع لا يراد القسم، وأما غير النبي - ﷺ - ممن جمعه زمان النبوة فإن بعضهم كانوا يحلفون بآبائهم تعظيمًا لهم، وبعضهم عادة، وبعضهم عصبيةً، وبعضهم للتوكيد، وقد أحاط بسائرها دائرة النهي، وإن كان بعضها أهون من بعض، لئلا يلتبس الحق بالباطل ولا يكون مع الله محلوف به، والنبي - ﷺ - وإن امتازَ عن غيره بالعصمةِ عن التلفظِ: بما يكادُ يكون قادحًا في صِرْف التوحيد، ولا يشبه حالُه في ذلك حالَ غيره، فالظاهر أن اتساعه في استعمال هذا اللفظ قد كان قبل النهي، ولم يعد إليه بعدهَ كيلَا يقتدِي به من لا يهتدي إلى صِرْف الكلام. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الخطَّابي: هذه كلمة جارية على ألسن العرب، تستعملها كثيرًا في خطابها، تريد بها التوكيد، وقد نهى رسول الله - ﷺ - أن يَحلِفَ الرجل بأبيه، فيَحتملُ أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام الجاري على الألسن، وهو لا يقصد به القسم، كلغو اليمين المعفو عنه، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية قالت عائشة: هو قول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله، ونحو ذلك. وفيه وجه آخر: وهو أن يكونَ - ﷺ - أضمرَ فيه اسم الله كأنه قال: لا ورب أبيه، وإنما نهاهم عن ذلك لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم، وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهب التعظيمِ لآبائهم ويُحتمل أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك منه على وجه التوقير له، والتعظيم لحقه دون ما كان بخلاف والعرب قد تطلق هذا اللفظ في كلامها على ضربين: أحدهما: على وجه التعظيم والآخر: على سبيل التوكيد للكلام دون القَسم. =
[ ١ / ٢١٥ ]
خطبته: أنه قَسَمٌ لغوي لا شرعي، والمقصودُ في الأول تزيينُ الكلام لا غير، والمطلوبُ من الثاني التأكيدُ مع تعظيم المحلوف به، والممنوعُ هو الثاني دون الأول، والمذكورُ هو الأول دون الثاني. ثم عندي أنه ينبغي الحجرُ عنه مطلقًا سدًا للذرائع لئلا يتساهل فيه الناس.
بقي أن هذا الرجل حلف على ترك السنن والمستحبات فكيف هو؟ قلت: أولًا في بيان المسألة: إن الأمرَ مع الوعيدِ على الترك يفيدُ الوجوبَ عند ابن الهمام رحمه الله تعالى وابن نجيم كليهما، والمواظبة الكلية بدون الوعيد على الترك يفيد الوجوب عند ابن الهمام رحمه الله تعالى، والسنة عند ابن نجيم، والفعل أحيانًا مع الترك أحيانًا يفيد السنية عندهما (١).
وههنا اختلاف آخر: وهو أن ترك السنة يوجبُ العتاب أو العقاب؟ فذهب الشيخ ابن الهمام إلى أن ترك السنة عِتابٌ، وابن نجيم إلى أنه يوجب العقاب. قلت: ولعل النزاع لفظي، لأن السنة التي يجبُ بتركها العقابُ عند ابن نجيم، داخلة في الواجب عند ابن الهمام رحمه الله تعالى، والإثم بترك الواجبِ متفقٌ عليه، فحينئذٍ فالإثم فيه عند ابن الهمام لكونه تركًا للواجب عنده، وإن كان عند صاحب البحر تركًا للسنة المؤكدة، فالإثم عند ابن نجيم يكون على تركِ الواجب، وترك السنة المؤكَّدةِ كليهما، غير أنَّ الإثمَ في الأول أزيدُ من الإثم في الثاني، وأنا مع ابن نجيم رحمه الله تعالى في تلك المسألة. هذا إذا كان الاختلاف المذكور من تفاريع الخلاف الأول، وإن كان الاختلاف فيه مبتدئًا فله وجه، ولا أدخلُ فيه، فإنه حكمٌ بالتأثيمِ على جميع الأمة.
_________________
(١) = قال ابن مَيَّادَةَ: أظنت سفاها من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتني محارب فلا وأبيها إنني بعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغب وليس يجوز أن يُقسِمَ بأب من يهجوه على سبيل الإعظام لحقه. وقال آخر لعبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد الفقهاء السبعة-: لعمر أبي الواشين أيام نلتقي لما لا تلاقيها من الدهر أكثر يعدون يومًا واحدًا إن لقيتها وينسون ما كانت على النأي تهجر وقال آخر: لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم لقد كلفتني خطة لا أريدها وهناك جواب آخر للبيضاوي وحاصله: أن الأقسام في القرآن ليست لتعظيمِ المحلوف بِه، أعني به الأقسامَ العُرفية عند الفقهاء، بل مدخولُ الواو فيها شهادات لما يأتي بعدها فهي شهادات، وما بعدها مشهود عليه، لا حَلِفٌ عليه ليرد الاعتراض ومن شاء تفصيله فليراجع رسالة الحافظ ابن القيم ﵁ في "أقسام القرآن" "قلت": ما ذكره صواب، وإذن فالخطأ من النُّحاة في التسمية، حيث سموها واو القسم، ولو كانوا سموها واو الشهادة لم يرد شيء، وبتسميَتهِم بواو القسم يتبادرُ الذهن إلى القَسَم المعهود، هكذا أفاده الشيخ ﵁. وسيأتي أيضًا.
(٢) يقصد ابن عابدين رحمه الله تعالى وكتابه "رد المختار على الدر المختار"، المشهور بحاشية ابن عابدين.
[ ١ / ٢١٦ ]
نعم، قال محمد رحمه الله تعالى في «موطئه»: ليس من الأمر الواجب الذي إن تَرَكَه تاركٌ أثم فخرجَ منه أن ترك السنة قد لا يوجبُ الإثم، كما أن التثليثَ سنةٌ وتركُهُ لا يوجب الإثم. قلت: وينبغي أن يُقيدَ بتركه أحيانًا، أو بقدر ما ثبت عنه ﷺ لا مطلقًا. وهو الذي اختاره المحقق ابن أمير حاج تلميذ ابن الهمام رحمه الله تعالى وصرح بالإثم إذا اعتاد الترك. ثم إن عبارةَ محمد رحمه الله تعالى تدلُ على ثبوتِ مرتبة الواجب، فإنها تشعر بتقسيم الواجب عنده: إلى ما لا إثم بتركه، وإلى ما بتركه إثم، وليست تلك المرتبة عند الجمهور، وهي عند الشافعي رحمه الله تعالى في الحج فقط، وعندنا في جميع العبادات المقصودة، وتُوجد هذه المرتبة في «المبسوط» أيضًا. وليس له اسم في كتاب الطحاوي، وهو من المتقدمين، ولذا اعتنيتُ بلفظِ محمد رحمه الله تعالى هذا.
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل في توجيهه: إنه محاروةٌ لتحفظ الأمور (١). وقيل معناه: لا أزيدُ عددَ الفرائض ولا أنقُص منها وهو مهمل. والأول ينتقض بما أخرجه البخاري في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر: والله لا أتطوع فإنه صريحٌ في نفي التطوع والقصْرِ على الفرائض، فسقط ما أجاب به المجيبون. والوجه عندي أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الشريعةَ واسترخَص منه بلا وَاسطة، فرخَّصَ له الشارع خاصة، فيصير مستثنى من القواعد العامة، كما في الأضحية «ولا تجزىء عن أحد بعدك». وهذا أيضًا باب يعلمه أهل العرف، فلا أثر له على القانون العام، فمن أراد أن يترخصَ برخصتِهِ فليسترخَّص من الشارع، وإذ ليس فليس.
وأشار إليه الطِّيبي رحمه الله تعالى أيضًا إلا أنه لم يفصِحْ بمراده، وأراد الزرقانيُّ إعلالَ تلك الرواية من جهة إسماعيل بن جعفر. قلت: وهو غير مسموع، كيف وقد أخرجه البخاري. وعند أبي داود من باب المحافظة على الصلوات عن عبد الله بن فَضَالة عن أبيه قال: علمني رسول الله ﷺ فكان فيما علمني: وحافِظ على الصلوات الخمس، قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمرٍ جامع إذا أنا فعلتُهُ أجزأ عني فقال: «حافظ على العصرين» إلخ ومر عليه السيوطي رحمه الله تعالى وقال: ولعل هذا الرجل إنما فرضت عليه هاتان الصلاتان فقط، واستثناه النبي ﷺ عن الحكم العام.
قلت: بل التخصيص بهما لمزيد الاهتمام بهاتين الصلاتين، وقد ورد التأكيد بهما في حق جميع الأمة أيضًا، كما رواه أبو داود مرفوعًا «لا يلج النار رجلٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب». ورواه غيره: «من صلى البَرْدَين دخل الجنة» فليس في حديث فَضَالة غير ما في تلك الأحاديث، وحينئذٍ ليس هذا الرجل مخصوصًا من قاعدة كليةٍ كما زعمه السيوطي ﵀
_________________
(١) قلت: ونظيره ما عند الترمذي في أبواب السير في قصة معاوية رضي الله تعالى عنه وعبسة رضي الله تعالى عنه: لا يحلن عقدًا ولا يشدنه مع أنه لا بأس بالشد، فقالوا: إنه كناية عن التغيير.
[ ١ / ٢١٧ ]
تعالى. وعندي عليه رواية أيضًا، وهنا إشكال آخر: وهو أنه كيف بشره بالفلاح على أداءِ الزكاة والصلوات الخمس فقط، مع أن في الإسلام أحكامًا غيرها. وجوابهُ أن في بعضِ طرقه: فأخبره بشرائع الإسلام.