والجملةُ تشتملُ على تعريف الطرفين، وهو مفيدٌ للقصر، وهو من الطرفين عندي. أي قد يكون لقصر المسندَ إليه على المسنَد، وقد يكون بالعكس، وقد تصلح جملة لكل منهما، لكن لا على سبيل الاجتماع، كما اختاره الزمخشري في «الفائق». وما قاله التَّفْتَازاني رحمه الله تعالى: إن القصرَ من طرفٍ فقط، والمبتدأ هو المقصور، فهو غَلَطٌ عندي. ثم إن هذا الحكم قد أخذته الشريعة من الاشتقاق، فالمسلم مَنْ سَلِم الناس من إيذائه، وذلك لأنه وُجِد فيه مأخذ الاشتقاق، وأما من آذى الناسَ ولم يَسْلَم منه الناس، فلم يوجد فيه مأخذُ اشتقاقِ الإسلام، فكأنه ليس بمسلم، وهذا على نحو ما تقول: إن العَالَم من اتصف بالعلم. والضارب من اتصف بالضربِ. فكذلك المسلم من اتصف بوصف السلامة. وعلم منه أن الإسلام كما هو معاملة مع الله سبحانه، كذلك معاملة مع الناس أيضًا.
واعلم أن الإسلام حقيقتُهُ ما يعبر عنه، بأن نقول: اطمئنَ أنت مني وأنا مُطمئنٌ منك، لأنه كان من عاداتهم قبلَ الإسلام: سفكُ الدماء، وهَتْكَ الأعراض، ونهبُ الأموال، فلما نزلت الشريعةُ أرادات أن تُعينَ لفظًا بأزاء ذلك المفهوم، ليدل (١) عند أول قرع السَّمْع على الأمن، وهو لفظُ الإسلام، ليصيرَ الناسُ في الأمن بعد الخوف، والاطمئنان بعد الفزع.
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ:
_________________
(١) قال علي القاري، رحمه الله تعالى في الجنائز: إن إحدى فوائد السلام أن يسمع المسلم المسلم عليه ابتداء لفظ السلام، ليحصل الأمن من قبل قلبه إلخ.
[ ١ / ١٥٣ ]
«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. طرفه ٦٤٨٤ - تحفة ٨٨٣٤ - ١٠/ ١
١٠ - ولذا قال: (المسلمُ من سَلِمَ) إلخ «والمؤمنُ من آمَنَهُ الناسُ على دمائِهم وأموالِهم» فكأنه أحاله على اللغة.
(والمهاجر) إلخ هذا أيضًا نوعُ هجرةٍ وفيه قصر، والقصرُ باعتبارِ تنزيلِ الناقصِ منزلة المعدوم، ولا أقول بتقدير الكمال. وقد مر تقريره مرة فراجعه. (قال أبو عبد الله) وإنما أتى به لأجل التصريح بالسماع كما هو مذْهَبَه. والشَّعْبي اسمه عامر، شيخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.