١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِىِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى - ﵁ - قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ قَالَ «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». تحفة ٩٠٤١
لما فَرَغَ عن أجزاء الإسلام، أراد أن يذكرَ مراتبُ الإسلام، وههنا إشكال، وهو أنه كيف يَستقيمُ اختلاف الأجوبة مع اتحادِ السؤال؟ فإنه قد أجاب ههنا بأن الأفضلَ: «من سلم المسلمون» الخ وفي حديث آخر أجاب بغيره، والجواب المشهورُ أن الاختلافَ في الأجوبة باعتبار اختلاف حال السائلين. قلت: وفيه أن هذا الجواب لا يجري إلا فيما صدر عنه القول المذكور في جواب سائل. أما إن كان قاله بدايةً بدون سبق سؤال، فينبغي أن يذكرَ ما هو الأفضلُ في الواقع لا غير، ولا يتحمل فيه هذا الاختلاف.
والجواب الثاني: أن الاختلاف باعتبار اختلاف لفظ السؤال، دون حال السائل، ففي بعضه أيُّ الإسلام أفضل؟ وفي بعضه أيُّ الإسلام خير. والأفضلُ يكون بحَسَب الفضائل، وهي المزايا اللازمة كالعلم، والحياة، والخير باعتبار الفواضل، وهي المزايا المتعدية، فالتشتت في الجواب، باعتبار التشتت في السؤال، ولذا أجاب في الأول بالإسلام، وفي الثاني بإطعام الطعام. قلت: هذا الجواب يحتاج إلى تتبّعٍ بالغ، وإلى تعيين اللفظِ بعينه من صاحب الشريعة والسائل كليهما، وهو أمر عسير، لفُشو الرواية بالمعنى، فما الدليل على أن هذا من لفظه، وليس من الراوي.
والجواب الثالث للطحاوي في «مشكله» وحاصله: أن يجمعَ جميعَ أجوبتِهِ ﷺ ثم يجعلُ الأفضل نوعًا كليًا يندرجُ تحته جميع الأشياء التي حُكِمَ عليها بكونها أفضل. وحينئذٍ لا يكونَ الأفضل شخصًا لينحصر في فرد. ولا يمكنُ أفضلية الآخر معه، بل جملة ما وضعه ﷺ في
[ ١ / ١٥٤ ]
المرتبة الأولى يُجعلُ كالنوع، ويدرجُ تحتَهُ ما ورد في المرتبة الأولى، وهكذا ما وضعه النبي ﷺ في المرتبة الثانية. يُجعلُ أيضًا كالنوع، ويدرجُ تحتَهُ جملةُ الأمور التي عُدت في المرتبة الثانية.
وهكذا أقول: وهذا إنما يصلحُ جوابًا إذا كان الاختلافُ في جواب الأفضلية، بذكر أمر مرة وأمر آخر مكانه مرة أخرى، كما في الحديث المار، فإنه أجاب مرةً بكون الأفضل «من سلم» إلخ ومرة بكونه «إطعام الطعام» ولا يجري فيما إذا جعل أمرًا في المرتبةِ الأولى في حديث، وجعل ذلك بعينه في المرتبة الثانية في حديث آخر، فإن كونَ الشيء في المرتبة الأولى، والمرتبة الثانية معًا غير ممكن، فلا يمكن أن تكون الصلاةَ مثلًا أفضلُ من الجهاد، ومفضُولةً منه أيضًا، فإن أُجيب بتعدد الجهات، فهذا غيرُ جوابِ الطحاوي رحمه الله تعالى، إلا أن يتتبَّعَ الطرق، فإن تحقق بعده أن التقديم والتأخير إنما جاء من قبل الراوي، فوضع ما كان في المرتبة الأولى في المرتبة الثانية، أو بالعكس، نفذ جوابه. وإن تحقق أنه كذلك من جهة صاحب الشريعة، وليس من جانب الراوي، بقي الاشكال ولا يدفعُهُ جواب الطحاوي رحمه الله تعالى.