وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِىُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِى الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِىِّ - ﷺ - آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ قَالَ «نَعَمْ». قَالَ فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِىِّ - ﷺ - أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلاَنٌ. وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ أَقْرَأَنِى فُلاَنٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِىُّ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لاَ بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ.
حَدَّثَنَا عبيد الله وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِىُّ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِى. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. تحفة ١٨٥٢٩، ١٨٧٦١ أ، ١٩٢٤٦ أ
قوله: (والعرض إلخ) ولعل غرض المصنف رحمه الله تعالى أن التمييز فيما بين الألفاظ الثلاثة فيما قرأ على الشيخ، أما إذا قرأ التلميذ بنفسه فإنه يقول فيه أقرأني فلان والمقرىء هو المعلِّم. وههنا رأي آخر وهو أن التلميذ إذا سمع من شيخه يقرأ أو يُقْرَأ عليه لا يعبِّر بالتحديث أو الإخبار ما لم يقصد الشيخ إسماعه، كما يقول النَّسَائي في الحارث بن مِسْكِين: أخبرنا الحارث بن مِسْكِين قراءةً عليه وأنا أسمع.
٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ الْمَقْبُرِىُّ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِىِّ - ﷺ - فِى الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِىُّ - ﷺ - مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ - ﷺ - «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِىِّ - ﷺ - إِنِّى سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِى الْمَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدْ عَلَىَّ فِى نَفْسِكَ. فَقَالَ «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ
[ ١ / ٢٤٤ ]
النَّبِىُّ - ﷺ - «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِى مِنْ قَوْمِى، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِى سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِىُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - بِهَذَا. تحفة ٩٠٧، ٤٠٤ - ٢٥/ ١
٦٣ - قوله: (فأناخه في المسجد) وعند البخاري من طريق آخر، فأناخه قريبًا من المسجد، وهكذا حكى الحافظ رحمه الله تعالى عن مسند أحمد ﵀: أنه أناخه خارج المسجد، فلا حجة فيه للمالكية على طهارة أزبال مأكول اللحم وأبواله.
قوله: (ظَهْرَانَيْهم) وهو تثنية التثنية. فإن الظَّهْرَانِ تثنيةُ الظهرِ، ثم ثَنَّى فصار ظهرانَانِ وسقطت النون للإضافة، وبقيت ياء التثنية.
أقول: إنَّ المُثَنَّى والجمع قد يُنَزَّل منزلةَ المفرد، فيثنَّى ويُجمع كما في البخاري: حدثنا عَبْدَانُ برفع النون مع أنه مثنَّى، باعتراف جميع أهل اللغة. ولكنه بعد العلمية نُزِّل منزلة المفرد، وعُوْمِلَ معه ما يعامل مع المفرد، فأُعرب بإعرابه، كما في قول الشاعر:
عند التفرق في الهيجا جمالين
فإن الجمال جمع جمل مع أنه ثني ههنا تنزيلًا له منزلة المفرد. قال الخطابي في "معالم السنن": إن الاتكاء ضد الجلوس مطمئنًا، فيشمل التربع أيضًا، وبه شرح قوله - ﷺ - لا آكل متكئًا.
أقول: أما شرح هذا الحديث فهو كما شرح به الخَطَّابي، وأما شرح حديث الباب فهو أعم مما قاله، ومن الاتكاء المتعارَف.
قوله: (اللهم نعم) هذا للتأكيد.
قوله: (قد أجبتك) أي أنه ﷺ سمع مقالته، وقال: قد أجبتك، مع أنه لم يُجِب الآن وهو موضع الترجمة.
قوله: (رواه موسى إلخ). قال الحافظ رحمه الله تعالى: إنما عَلَّقه لأن سليمان ليس على شرطه، وتعقَّب عليه العينيّ رحمه الله تعالى بأنه قد أخرج عنه في باب: يَرُدُّ المصلي من بين يديه.
قوله: (لا تسألوا الخ) روي عن ابن عباس ﵁ أن الصحابة ﵃ لم يسألوا النبي ﷺ إلا ثلاثة عشر سؤالًا. أقول: ولعل مراده الأسئلة التي ذُكِرَت في القرآن، وإلا فهي كثيرة.
قوله: (فمن خلق الأرض) الخَلْق يكون مِنْ كَتْمِ العَدَم بالاختيار والقدرة، فالعالم بقَضِّه
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقضِيْضِه مخلوق عندنا. وقال الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه لم يَقُل أحد من الفلاسفة بقدَم العالم، وكان أفلاطون أيضًا قائلًا بحدوثه، حتى جاء أرسطاطاليس المخذول فاعتقد بقدمه، وهو باطل قطعًا، وقائله كافر، واتفقت الأديان السماوية على حدوث العالم. نعم نُسب إلى بعض الصوفية قدم بعض الأشياء كالشيخ الأكبر، وقال الشعراني الشافعي رحمه الله تعالى: إن هذه العبارات كلها مدسوسة.
أقول: وقد تفرَّد الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى ببعض المسائل أيضًا، فإنه قد اعتبر إيمان فرعون وإن لم يكن توبة، فيعاقب بما فعل، لكنه لا يُخلَّد في النار عنده، ونَسَبَ بحر العلوم إلى الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى قدم بعض الأشياء. وظَنّي أن تلك النسبة صحيحة. وأما ما نَسَبَ الدَّوَّاني إلى ابن تيمية رحمه الله تعالى من قدم العرش، فليس بصحيح عندي، كما قلتُ فيما ألحقت بالقصيدة النونية لابن القيم رحمه الله تعالى:
*واللَّهُ كان وليس شيءٌ غيره سبحانه جَلَّ العظيمُ الشانِ
*واللَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ غيره ما ربُّنا والخلقُ مُقْتَرِنَانِ
*لَسْنَا نقولُ كما يقول المُـ ـلْحِدُ الزِّنْدِيْقُ صاحبُ مَنْطِقِ اليُونَانِ
*بِدَوَامِ هذا العَالَمِ المشهودِ والـ ـأرواح في أزلٍ وليس بفَانِ
*وهو ابنُ سِينا القِرْمِطِي غدا مدى شرك الرَّدى وشريطة الشيطانِ
*والعرشُ أيضًا حادثٌ عند الوَرَى ومِنْ الخطأ حكايةُ الدَّوَّاني
*وإذِ الحوادثُ لا نَفَادَ لها فلا يَصِل المضاء لحادث الإبَّانِ
*وكغابرٍ ماضٍ وما مِنْ فارقٍ فاثبُتْ فإنّ الكفرَ في الخِذْلانِ
ولي قصيدة طويلة تزيد على أربع مئة بيت في إثبات الصانع وحدوث العالم المسماة: «بضرب الخاتم»، وأيضًا رسالة أخرى ذَكرتُ فيها ما لم أُسْبَقْ إليه.