قال مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" في إحدى الروايات عنه: حدثنا صاحب لنا، ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مِغْول، عن الحكم، بهذا الإسناد مثله. يعني مثل الحديث الذي قبله، وهو حديث الحكم بن عتيبة، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك الحديث.
[ ١ / ٩١ ]
قلت: وهذا الحديث مما اتفق الأئمة الحفاظ على صحته وثبوته، وأخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، في كتبهم، من طرق ثابتة، عن الحكم بن عتيبة بإسناده المذكور متصلا.
وقول مسلم ﵀ في بعض طرقه: حدثنا صاحب لنا، لا يسمى مقطوعا عند أكثر المحدثين؛ لأن المقطوع في اصطلاحهم ما لم يتصل سنده، وكان في رواته من دون التابعين من لم يسمعه ممن فوقه، كرواية مالك بن أنس، عن عبد الله بن عمر، ورواية الثوري عن جابر بن عبد الله، ونحو ذلك، وهو نوع من المرسل، إلا أنهم قصروا المرسل على التابعين، إذا أرسلوه عن النبي -ﷺ-، ولم يذكروا فيه الصحابي.
وقول أبي علي: إن ما تقدم ذكره يسمى مقطوعا، هو قول الحاكم أبي عبد الله بن الْبَيِّع النيسابوري، والذي عليه الأكثر من علماء الرواية، وأرباب النقل أن قول الراوي: حدثنا صاحب لنا، وحدثني غير واحد، وحدثني من سمع فلانا، وحُدثت عن فلان، ونحو ذلك معدود في المسند؛ لأنه لم ينقطع له سند، وإنما وقعت الجهالة في أحد رواته، كما لو سُمِّي ذلك الراوي، وجُهل حاله على أنه لم يقع كذلك في كتاب مسلم، إلا من طريق أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر الأشقر، عن القلانسي، عن مسلم.
ووقع في روايتنا من طريق أبي أحمد الجلودي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم مسمى، غير مبهم.
ونحن نورده من "صحيح مسلم" كما رويناه؛ ليتضح اتصاله:
أخبرنا به جماعة من شيوخنا، قراءةً عليهم، قالوا: أنا الشريف أبو المفاخر المأموني (٧) قراءة عليه، ونحن نسمع، أنا الإمام أبو عبد الله الفراوي رحمهُ اللهُ تعالى وأخبرنا عاليا الشيخ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي ﵀، إذنا وكتابة من نيسابور، أنا الإمام فقيه الحرم، أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، قراءة عليه، وأنا أسمع، أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، ثنا الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ثنا محمد بن مثنى،
_________________
(١) "المجتبى" ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) "الصلاة" رقم ٤٠٦.
(٣) "الصلاة" رقم ٩٧٦ و٩٧٧.
(٤) "الصلاة" ٤٨٣.
(٥) "المجتبى" ٣/ ٤٨.
(٦) "الصلاة" رقم ٩٠٤.
(٧) وفي نسخة الشيخ مشهور حسن: "المأموليّ" باللام بدل النون.
[ ١ / ٩٢ ]
ومحمد بن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج علينا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال -ﷺ-: قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
قال: ثنا زهير بن حرب، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن شعبة، ومسعر، عن الحكم بهذا الإسناد مثله. وليس في حديث مسعر: "ألا أُهدي لك هدية".
قال حدثنا محمد بن بكار: قال: ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مغول، كلهم عن الحكم بهذا الإسناد مثله. واللفظ للمأموني.
قلت فهذه طرق هذا الحديث في "صحيح مسلم" متصلة كلها من الوجه الذي أوردناه عنه، فثبت اتصاله من جميع طرقه، في كتاب مسلم، والحمد لله.
وقد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ: وقد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع، يعني إذا روي ذلك الحديث من وجه آخر، وسمي ذلك الرجل فيه كما وقع في إسناد هذا الحديث.
قال: فهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة. والله أعلم.
قال العطار: قلت: وقد وقع لي هذا الحديث أعلى من طريق "الصحيح" بدرجتين كأني سمعته من عبد الغافر الفارسي ﵀، وهو ما أخبرنا به أبو الْيُمْن، زيد بن الحسن ابن زيد البغدادي، بقراءتي في منزله بدمشق، أخبركم أبو منصور، عبد الرحمان بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، قراءة عليه، وأنت تسمع ببغداد، فأقر به، ثنا القاضي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله من لفظه وكتابه، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد، إملاء، ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي يعني ابن الجعد، أنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، فذكر نحوه.