وأما رحلاته العلميّة، فكان رحمهُ الله تعالى ذا رحلة واسعة، عالي الهمة، كثير النشاط، ذا صبر في الطلب والتحصيل، فهو أحد الرحّالين في طلب العلم، فرحل إلى أئمة الأقطار والبلدان، فدخل الحجاز، وعمره أربعة عشر عاما في سنة عشرين ومائتين، وكان أمرد، لأداء فريضة الحج، فسمع بمكة من سعيد بن منصور، والقعنبيّ، وغيرهما، وبالمدينة من أبي مصعب الزهريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهما. ودخل العراق، فسمع بالبصرة من القعنبيّ وعلي بن نصر الجهضميّ، وبالكوفة من أحمد بن يونس، وعمر بن حفص بن غياث، وسعيد بن محمد بن سعيد الجرميّ. وسمع ببغداد من أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، وخالد ابن خِدَاش، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، وخلف ابن هشام البزار المقرىء، وسُريج بن يونس، وغيرهم. وسمع ببلخ من قُتيبة بن سعيد.
ودخل الريّ أكثر من مرة، وسمع بها من محمد بن مِهْران الجمّال، وأبي غسان محمد بن عمرو زُنَيْج (٢).
_________________
(١) انظر "العبر" ٢/ ٢٣ و"شذرات الذهب" ١/ ١٤٥.
(٢) بزاي ونون وجيم مصغّرًا. قاله في "التقريب".
[ ١ / ١١ ]
ودخل مصر، فسمع من أحمد بن عبد الرحمن الوهبيّ، وعمرو بن سوّاد، وعيسى ابن حماد زُغْبَة، ومحمد بن رُمح بن المهاجر.
ودخل الشام، على ما قاله ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، قال: وسمع من محمد ابن خالد السكسكيّ، لكن الذهبيّ، ينكر ذلك، ويقول: والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن ليدخل الشام، فلا يسمع إلا من شيخ واحد. وقال أيضًا في ترجمة هشام بن عمار: ولم يلقه مسلم، ولا ارتحل إلى الشام، ووهمَ من زعم أنه دخل دمشق (١).
والحاصل أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى كثير الرحلة، فقد طوّف كثيرًا من البلدان: مثل الريّ، والعراق، ومصر، والحجاز (مكة، والمدينة)، ودمشق على ما قاله ابن عساكر. والله تعالى أعلم.