وَأما تمسك أهل الرَّأْي المحتالين على الْإِسْلَام وَأَهله بِمثل قَوْله سُبْحَانَهُ لنَبيه أَيُّوب ﵇: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ وَأَنه سُبْحَانَهُ أذن لَهُ أَن يتَحَلَّل من يَمِينه بِالضَّرْبِ الضغث. وبمثل مَا أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن نبيه يُوسُف ﵇ أَنه جعل صواعه فِي رَحل أَخِيه ليتوصل بذلك إِلَى أَخذه من إخْوَته وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه فعل ذَلِك بِرِضَاهُ وإذنه، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ . وبمثل مَا صَحَّ عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم:
(أَنه اسْتعْمل رجلا على خَيْبَر فَجَاءَهُمْ بِتَمْر خبيب فَقَالَ [ﷺ]: أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لنأخذ الصَّاع من هَذَا بالصاعين والصاعين بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: لَا تفعل، بِعْ الْجَمِيع بِالدَّرَاهِمِ ثمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ خبيبًا ".
" وَقد لَقِي النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم طَائِفَة من الْمُشْركين، فِي نفر من أَصْحَابه فَقَالَ الْمُشْركُونَ: من أَنْتُم؟ فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
[ ٣٥٦ ]
من مَاء فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا: أَحيَاء الْيمن كثير فلعلهم مِنْهُم وَانْصَرفُوا ".
وَجَاء رجل إِلَى النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم فَقَالَ: " احملني، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا ولدا لناقة فَقَالَ: مَا أصنع بِولد النَّاقة؟ فَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: وَهل تَلد الْإِبِل - إِلَّا النوق؟ "
فيجاب عَنهُ بِأَن مَا ذَكرُوهُ من قصَّة أَيُّوب خَارج عَمَّا نَحن بصدده، فَإِن أَيُّوب نذر أَن يضْربهَا مائَة عصى وَقد ضربهَا كَذَلِك بِمِائَة عصى. وَأَيْضًا لَو سلم أَنه نذر أَن يضْربهَا مائَة عَصا مفرقة، أَو مائَة ضَرْبَة مفرقة فَذَلِك الَّذِي أذن الله لَهُ بِهِ تَخْفيف على الْمَرْأَة وَنسخ لما كَانَ قد أوجبه على نَفسه على تَقْدِير أَنه كَانَ يجب فِي شَرِيعَته الْوَفَاء بِالنذرِ، وَأَنه لما نذر أوجب الله ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ خفف عَلَيْهِ وَنسخ مَا كَانَ قد أوجبه الله عَلَيْهِ بإيجابه على نَفسه.
وَمَا الْمَانِع من أَن يُوجب الله شَيْئا ثمَّ ينسخه وَلَيْسَ النزاع فِي مثل هَذَا فَإِن شريعتنا هَذِه فِيهَا النَّاسِخ والمنسوخ.
وَإِنَّمَا النزاع فِي شَرِيعَة كملت وَأخْبرنَا الله بكمالها فَقَالَ: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينك﴾ ثمَّ انْقَطع الْوَحْي بِمَوْت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم. ثمَّ جَاءَ جمَاعَة حولوا الشَّرِيعَة وبدلوها فحللوا حرامها، وأسقطوا فرائضها بأكاذيب لم يَأْذَن الله بهَا بل هِيَ ضد لشريعته وَدفع لَهَا وَرفع لأحكامها.
[ ٣٥٧ ]
فَأَيْنَ قصَّة أَيُّوب من صَنِيع هَؤُلَاءِ المحتالة على الله وعَلى رَسُوله وعَلى الشَّرِيعَة الإسلامية، وعَلى عباد الله الْمُسلمين؟ .
وَأي جَامع يجمع بَين هَذَا وَبَين قصَّة أَيُّوب؟ ثمَّ هَذِه الْقِصَّة الأيوبية هِيَ من التَّحَلُّل من الْإِيمَان وَالْخُرُوج من المأثم، فَلَو فَرضنَا أَن لَهَا دخلا فِيمَا قصدوه لَكَانَ ذَلِك خَاصّا بِمَا فِيهِ خُرُوج من المأثم والتحلل من الْإِيمَان. وَقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْيَمين إِذا كَانَ غَيرهَا خيرا مِنْهَا كَانَ الْحِنْث أولى من الْبر كَمَا صَحَّ عَنهُ [ﷺ] أَنه قَالَ: " من حلف من شَيْء فَرَأى غَيره خيرا مِنْهُ، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه " وَصَحَّ عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " وَالله لَا أَحْلف على يَمِين فَأرى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وكفرت عَن يَمِيني ".
فقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْحَالِف على يَمِين غَيرهَا خير مِنْهَا يكفر عَن يَمِينه من غير حَاجَة إِلَى ضرب فِي مثل صُورَة يَمِين أَيُّوب لَا مفرقًا، وَلَا مجموعًا وَقد ثَبت أَن امْرَأَة أَيُّوب كَانَت ضَعِيفَة لَا يحْتَمل ضعفها لوُقُوع مائَة ضَرْبَة مفرقة.
وَمثل هَذَا قد سوغت شريعتنا التَّخْفِيف فِيهِ خُرُوجًا من المأثم، وَلَا سِيمَا إِذا صَحَّ مَا روى أَن مَرِيضا أقرّ بِالزِّنَا وَكَانَ ضَعِيفا لَا يحْتَمل الْحَد الشَّرْعِيّ فَأمر النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم بِأَن يضْرب بشمراخ من النّخل فِيهِ مائَة عثكول. فَهَذَا لَيْسَ بحيلة بل شَرِيعَة ثَابِتَة.
وَلَيْسَ النزاع إِلَّا فِيمَا فعله المحتالون من زحلقة أَحْكَام الشَّرِيعَة بالأقوال الكاذبة المفتراة لَا فِيمَا قد ثَبت فِي الشَّرِيعَة.
[ ٣٥٨ ]
وَبِهَذَا يَتَقَرَّر لَك أَن استدلالهم بِقصَّة أَيُّوب خَارج عَن مَحل النزاع مَعَ أَن هَذِه الْقِصَّة هِيَ أعظم مَا عولوا عَلَيْهِ وبنوا عَلَيْهِ القناطر الَّتِي لَيست من الشَّرِيعَة فِي قبيل وَلَا دبير، بل هِيَ ضد للشريعة وعناد لَهَا.
وَأما قصَّة يُوسُف فَالْجَوَاب عَنْهَا وَاضح لِأَنَّهَا وَاقعَة وَقعت لنَبِيّ من أَنْبيَاء الله سُبْحَانَهُ صنعها الله سُبْحَانَهُ لَهُ لخير أَرَادَ بِهِ لأَهله.
فَإِن كَانَ مثل ذَلِك مَمْنُوعًا فِي شريعتنا فقد نسخ مَا كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة بِمَا كَانَ فِي شريعتنا، وشريعتنا هِيَ الشَّرِيعَة الناسخة للشرائع، وَمَعْلُوم أَنه لَا يُؤْخَذ مِمَّا كَانَ من الشَّرَائِع السَّابِقَة إِلَّا مَا قَرّرته شريعتنا مِنْهَا لَا مَا خالفته وأبطلته، فَمَا لنا وللتعلق بشريعة مَنْسُوخَة؟ ﴿.
وَإِن كَانَ مثل ذَلِك جَائِزا فِي شريعتنا فَلَيْسَ النزاع فِيمَا هُوَ جَائِز فِيهَا. بل النزاع فِي حيل المحتالين ودنس المدنسين المحللين لأحكام الشَّرِيعَة من عِنْد أنفسهم المسقطين لفرائض الله سُبْحَانَهُ بآرائهم الفايلة وتدليساتهم الْبَاطِلَة.