وَيَنْبَغِي أَن نذْكر هَهُنَا مَا عظم أجره من الْأَذْكَار لينْتَفع بِهِ المطلع على هَذَا الشَّرْح.
فأفضل الذّكر مَا كَانَ فِي دُعَاء الرب ﷿ فَإِنَّهُ مَطْلُوب مِنْهُ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ: ﴿ادْعُونِي أستجيب لكم﴾ وعقبه بقوله: ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ الْآيَة، فَجعل الدُّعَاء لَهُ فِي حوائج العَبْد عبَادَة، وَجعل تَارِك الدُّعَاء مستكبرًا عَن عِبَادَته. فسبحان الله الْعَظِيم ذِي الْكَرم الْفَيَّاض، والجود [المتتابع] . جعل سُؤال عَبده لحوائجه وَقَضَاء مآربه عبَادَة لَهُ وَطَلَبه مِنْهُ وذمه على تَركه بأبلغ أَنْوَاع الذَّم، فَجعله مستكبرًا على ربه. فشكرًا لَك يَا رب على هَذِه النِّعْمَة شكرا يَلِيق بك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك.
وَقَالَ ﷿: ﴿أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء " وَقَالَ: (وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾
[ ٣٨١ ]
وَمِمَّا قلته من النّظم فِي شكره ﷿ على نعمه الَّتِي هَذِه النِّعْمَة الْعُظْمَى فَرد من أفرادها:
(لَو كَانَ لي كل لِسَان لما وفيت بالشكر لبَعض النعم)
(فَكيف لَا أعجز عَن شكرها وَلَيْسَ لي غير لِسَان وفم؟)
(هَذَا هُوَ الإفضال هَذَا الْعَطاء الْفَيَّاض، هَذَا الْجُود هَذَا الْكَرم)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَأهل السّنَن الْأَرْبَع وَابْن حبَان من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير قَالَ: قَالَ [ﷺ] وَآله وَسلم: " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " ثمَّ تَلا الْآيَة: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم، إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عابدتي - الْآيَة﴾ . وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول [الله [ﷺ] وَآله وَسلم]: " الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة ".
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث سلمَان عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد الْعُمر إِلَّا الْبر " وَصَححهُ ابْن حبَان.
[ ٣٨٢ ]
وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم وَصَححهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب. وَأخرجه أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، والضياء فِي المختارة.
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ثَوْبَان أَنه [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر، وَأَن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ ".
وَأخرج الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخطيب من حَدِيث عَائِشَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم: " لَا يغنى حذر من قدر، وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل وَأَن الْبلَاء لينزل فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَتعقبه الذَّهَبِيّ فِي التَّلْخِيص، بِأَن زَكَرِيَّا بن مَنْصُور أحد رِجَاله مجمع على ضعفه. وَقَالَ فِي الْمِيزَان ضعفه ابْن معِين، ووهاه أَبُو زرْعَة، وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: حَدِيث
[ ٣٨٣ ]
لَا يَصح، وَقَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد: " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى بِنَحْوِهِ، وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَرِجَال أَحْمد وَأبي يعلى وَأحد إسنادي الْبَزَّار، رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَغير عَليّ بن أَحْمد الرِّفَاعِي وَهُوَ ثِقَة ".
قلت: وَبِهَذَا يعرف أَن الحَدِيث إِذا لم يكن صَحِيحا كَمَا قَالَ الْحَاكِم فَأَقل أَحْوَاله أَن يكون حسنا.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث عَائِشَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم: " لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء " قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن غَرِيب، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثهَا أَحْمد فِي الْمسند وَالْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ، وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك. وَقَالَ صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ، وَقَالَ ابْن حبَان: حَدِيث صَحِيح.
قلت: وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن فِي إِسْنَاده عِنْده عمرَان الْقطَّان ضعفه النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَمَشاهُ أَحْمد. قَالَ ابْن الْقطَّان: رُوَاته كلهم ثِقَات إِلَّا عمرَان وَفِيه خلاف.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ " وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف بِلَفْظ " من لم يدع الله يغْضب عَلَيْهِ ". وَأخرجه بِاللَّفْظِ الأول وَالْحَاكِم وَكَذَلِكَ أخرجه بِاللَّفْظِ الثَّانِي فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ، وَمَا أحسن قَول الشَّاعِر:
[ ٣٨٤ ]
(الله يغْضب إِن تركت سُؤَاله وَإِذا سَأَلت بني آدم بغضب)
وَأخرج ابْن حبَان وَالْحَاكِم والضياء فِي المختارة من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: " لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد " وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم والضياء. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أَئِمَّة صححوه.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم:
" من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد وَالْكرب فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء " وَصَححهُ الْحَاكِم وَأقرهُ الذَّهَبِيّ، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث سلمَان وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن وعماد الدّين وَنور السَّمَوَات وَالْأَرْض " قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَأخرجه أَبُو يلعى من حَدِيث عَليّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَأخرجه أَبُو يعلى أَيْضا من [حَدِيث] جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" أَلا أدلكم على مَا ينجيكم من عَدوكُمْ ويدر [لكم] أرزاقكم؟ تدعون الله سُبْحَانَهُ فِي ليلكم ونهاركم فَإِن الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن ".
وَأخرج أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم: " مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مَسْأَلَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاهَا إِمَّا أَن يعجلها لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ " قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب: إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ. وَأخرجه أَيْضا البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالْحَاكِم.
[ ٣٨٥ ]
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي سعيد عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم:
" مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته، وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة، وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا " قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: أسانيده جَيِّدَة وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ أَيْضا من حَدِيث سلمَان عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم:
" إِن ربكُم حييّ كريم يستحيي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ [يَدَيْهِ] أَن يردهما صفرا خائبتين ". وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أنس.