وَيحسن أَن نبين هَاهُنَا الزواجر عَن بعض الْمعاصِي الْبَاطِنَة حَتَّى يكون ذَلِك بعد مَا قدمْنَاهُ من التحذير مِنْهَا كالدواء لدائها العضال، وكالترياق لسمها الْقِتَال.
[ ٤٣٧ ]
فَاعْلَم أَن عُمْدَة الْأَعْمَال الَّتِي تترتب عَلَيْهَا صِحَّتهَا أَو فَسَادهَا هِيَ النِّيَّة وَالْإِخْلَاص، وَلَا شكّ أَنَّهُمَا من الْأُمُور الْبَاطِنَة.
فَمن لم تكن نِيَّته صَحِيحَة لم يَصح عمله الَّذِي عمله، وَلَا أجره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ. وَمن لم يخلص عمله لله سُبْحَانَهُ فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ مَضْرُوب بِهِ فِي وَجهه، وَذَلِكَ كالعامل الَّذِي يشوب نِيَّته بالرياء، قَالَ الله ﷿: ﴿واعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ:
" سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول: إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة الْجَيْش الَّذِي يَغْزُو الْكَعْبَة فيخسف بهم، قَالَت: قلت يَا رَسُول الله كَيفَ يخسف بأولهم وَآخرهمْ وَفِيهِمْ أسواقهم وَمن لَيْسَ مِنْهُم؟ قَالَ: " يخسف بأولهم وَآخرهمْ ثمَّ يبعثون على قدر نياتهم ".
وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" إِنَّمَا يبْعَث النَّاس على نياتهم " وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر. وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أنس قَالَ: " رَجعْنَا
[ ٤٣٨ ]
من غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم، فَقَالَ: إِن أَقْوَامًا خلفنا بِالْمَدِينَةِ مَا سلكنا شعبًا وَلَا وَاديا إِلَّا وهم مَعنا حَبسهم الْعذر ". وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" إِن الله لَا ينظر إِلَى أجسامكم وَلَا إِلَى صوركُمْ، وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم:
" من همَّ بحسنة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة، فَإِن همَّ بهَا فعملها كتبهَا الله عِنْده عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة، وَمن هم بسيئة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة وَإِن هُوَ هم بهَا فعملها كتبهَا الله عِنْده سَيِّئَة وَاحِدَة " زَاد فِي رِوَايَة: " أَو محاها، وَلَا يهْلك على الله إِلَّا هَالك ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
وَمن ذَلِك حَدِيث:
" الثَّلَاثَة الَّذين هم أول من تسعَّر بهم النَّار وهم: الْعَالم الَّذِي علم ليقال لَهُ عَالم، والمجاهد الَّذِي جَاهد ليقال لَهُ جرئ، وَالرجل الْغَنِيّ الَّذِي تصدق ليقال لَهُ جواد ".
وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِأَلْفَاظ. وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: " جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم: لَا شَيْء لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم: لَا شَيْء لَهُ، ثمَّ قَالَ: إِن الله لَا يقبل من العَبْد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا، وابتغى بِهِ وَجهه ".
وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هِنْد الدَّارِيّ
[ ٤٣٩ ]
أَنه سمع رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول:
" من قَامَ مقَام رِيَاء وَسمع راءى الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وسَمّع ".
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح والبيقهي عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول: " من سمع النَّاس بِعِلْمِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله قَالَ: قَالَ النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم: " من سمع سمع الله بِهِ وَمن يرائي يرائي الله بِهِ ".
وَأخرج ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد من حَدِيث معَاذ قَالَ:
" سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول: الْيَسِير من الرِّيَاء شرك " الحَدِيث. قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ.
وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد جيد، وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن مَحْمُود ابْن لبيد أَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا: وَمَا الشّرك الْأَصْغَر؟ ﴿قَالَ الرِّيَاء، يَقُول الله ﷿، إِذا جزى النَّاس بأعمالهم: اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراءون فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء؟﴾ ".
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد
[ ٤٤٠ ]
نَحوه. وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات، وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه أَيْضا.
وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَون الرِّيَاء مُبْطلًا للْعَمَل مُوجبا للإثم كَثِيرَة جدا وَارِدَة فِي أَنْوَاع من الرِّيَاء. الرِّيَاء فِي الْعلم، والرياء فِي الْجِهَاد، والرياء فِي الصَّدَقَة، والرياء فِي أَعمال الْخَيْر على الْعُمُوم، ومجموعها لَا يَفِي بِهِ إى مُصَنف مُسْتَقل.
والرياء هُوَ أضرّ الْمعاصِي الْبَاطِنَة وأشرها مَعَ كَونه لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا ذهَاب أجر الْعَمَل والعقوبة على وُقُوعه فِي الطَّاعَة، فَلم يذهب بِهِ مُجَرّد الْعَمَل بل لزم صَاحبه مَعَ ذهَاب عمله الْإِثْم الْبَالِغ.
وَمن كَانَ ثَمَرَة ريائه هَذِه الثَّمَرَة، وَعجز عَن صرف نَفسه عَنهُ فَهُوَ من ضعف الْعقل، وحمق الطَّبْع بمَكَان فَوق مَكَان الْمَشْهُورين بالحماقة.
وَمن الزّجر عَن الذُّنُوب الْبَاطِنَة الْخَارِجَة عَن حَدِيث الْإِيمَان مَا أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث. وَلَا تجسسوا وَلَا تحسسوا، وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا. وَلَا تباغضوا، وَلَا تدابروا كَمَا أَمركُم. الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا. وَيُشِير إِلَى صَدره بِحَسب امْرِئ من الشَّرّ أَن يحقر أَخَاهُ الْمُسلم. كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام: دَمه وَعرضه وَمَاله ".
وَهَذِه الْأُمُور غالبها من الْمعاصِي الْبَاطِنَة. وناهيك أَن التَّقْوَى الَّتِي هِيَ طَرِيق النجَاة الْكُبْرَى قد صرح [ﷺ] وَآله وَسلم هَاهُنَا أَنَّهَا من الْأُمُور الْبَاطِنَة، فَإِذا كَانَت النِّيَّة وَالْإِخْلَاص وَالتَّقوى من الْأُمُور الْبَاطِنَة، وَهِي عُمْدَة الِاعْتِدَاد بالأفعال والأقوال فناهيك بذلك.
[ ٤٤١ ]
وَأخرج ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" لَا يجْتَمع فِي جَوف عبد مُؤمن غُبَار فِي سَبِيل الله وفيح جَهَنَّم، وَلَا يجْتَمع فِي جَوف عبد الْإِيمَان والحسد ".
فقد أوضح فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْحَسَد مُغَاير للْإيمَان، فصح مَا ذَكرْنَاهُ من الِاعْتِرَاض على كَلَام الطوفي السَّابِق.
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" إيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن ضَمرَة بن ثَعْلَبَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا لم يتحاسدوا ". وَأخرج الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث الزبير أَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء، والبغضاء هِيَ الحالقة أما إِنِّي لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين ".
وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ " أَنه سُئِلَ رَسُول الله [[ﷺ] وَآله وَسلم] عَن أفضل النَّاس فَقَالَ: التقى النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد ". وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة.
وَمِمَّا ورد فِي ذمّ الْكبر وَالْعجب حَدِيث عِيَاض بن حمَار الَّذِي أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" إِن الله تَعَالَى أوحى إليّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد ". وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله
[ ٤٤٢ ]
[ﷺ] وَآله وَسلم:
" مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا. وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" من مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من الْكبر والغلول والدَّين دخل الْجنَّة ".
وَأخرج ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" من تواضع لله دَرَجَة يرفعهُ دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أعلا عليين. وَمن تكبر على الله دَرَجَة يَضَعهُ الله دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أَسْفَل سافلين وَلَو أَن أحدكُم يعْمل فِي صَخْرَة صماء لَيْسَ عَلَيْهَا بَاب وَلَا كسْوَة لخرج مَا غيبه للنَّاس كَائِنا من كَانَ ".
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَالطَّبَرَانِيّ عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: " أَيهَا النَّاس تواضعوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول: من تواضع لله رَفعه الله وَقَالَ: - انْتَعش نَعشك الله - فَهُوَ فِي أعين النَّاس عَظِيم وَفِي نَفسه صَغِير، وَمن تكبر قصمه الله. وَقَالَ: اخْسَأْ فَهُوَ فِي أعين النَّاس صَغِير، وَفِي نَفسه كَبِير ".
وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة قَالَا: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم: يَقُول الله ﷿:
" الْعِزّ إزَاره
[ ٤٤٣ ]
والكبرياء رِدَاؤُهُ فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حَارِثَة بن وهب قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم يَقُول: أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جَوَّاظٍ مستكبر ".
وَأخرج مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم
" ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زانٍ، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر ". وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ". فَقَالَ رجل: إِن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا، وَنَعله حَسَنَة قَالَ. إِن الله جميل يحب الْجمال. الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس " وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ: " بَيْنَمَا رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يجر إزَاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَأخرج نَحوه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ: " من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله إِن إزَارِي يسترخي أَلا أَن أتعاهده؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم: إِنَّك لست مِمَّن يَفْعَله خُيَلَاء "، وَالْخُيَلَاء عِنْد أهل اللُّغَة وَالشَّرْع الْكبر وَالْعجب. وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيره. وَأخرج الشَّيْخَانِ
[ ٤٤٤ ]
وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" تَجِدُونَ النَّاس معادن خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة، خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا، وتجدون شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه ". وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رجلا قَالَ لَهُ إِنَّا ندخل على سلطاننا فَنَقُول بِخِلَاف مَا نتكلم إِذا خرجنَا من عِنْده فَقَالَ: كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا على عهد رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم ".
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عمار بن يَاسر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" من كَانَ لَهُ وَجْهَان فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة لسانان من نَار ". وَأخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ والأصبهاني من حَدِيث أنس. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص بِلَفْظ [ذَوُو] الْوَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَله وَجْهَان من نَار ".
وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الْخِيَانَة وَقد وَردت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِأَنَّهَا من خِصَال النِّفَاق.
[ ٤٤٥ ]
وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الْمحبَّة والبغض وَالْكَرَاهَة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
" ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وجد بِهن حلاوة الْإِيمَان، من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن أحب عبدا لَا يُحِبهُ إِلَّا الله تَعَالَى، وَمن يكره أَن يعود فِي الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار " وَفِي رِوَايَة " وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله ".
وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
(إِن الله تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة: [أَيْن] المتحابون لأجلي الْيَوْم أظلهم فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظلّ إِلَى ظِلِّي " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله " وَمِنْهُم رجلَانِ تحابا فِي الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ ". وَأخرج مُسلم من حَدِيثه فِي الرجل الَّذِي أَتَى رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم وعرفه أَنه زار أَخا لَهُ أحبه فِي الله تَعَالَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: إِن الله قد أحبك كَمَا أَحْبَبْت فِيهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي ذَر " أَنه [ﷺ] قَالَ: الْمَرْء مَعَ من أحب ".
وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة جدا وَمن ذَلِك مَا ورد فِي ذمّ حب الدُّنْيَا ومدح حب الْآخِرَة، وَهِي أَحَادِيث كَثِيرَة.
وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الطَّيرَة وَقد صَحَّ عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنَّهَا شرك كَمَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان.
وَمن الْأُمُور الباطقة التَّوْبَة، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي التَّرْغِيب فِيهَا متواترة. وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح الخشية من الله ﷿.
[ ٤٤٦ ]
وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذمّ طول الأمل ومدح قصره. وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح الْخَوْف من الله ﷿، ومراقبته.
وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح حسن الظَّن بِاللَّه، وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ:
(قَالَ الله ﷿ أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي) . وَحَدِيث جَابر عِنْد مُسلم وَغَيره أَنه سمع النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم قبل مَوته بِثَلَاثَة أَيَّام يَقُول:
(لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ﷿ ".
وَمِنْهَا الصَّبْر وَقد ورد مدحه وَكَون الله مَعَ الصابرين وَمَا لَهُم من الْأجر الْعَظِيم فِي الْكتاب وَالسّنة.
وَبِالْجُمْلَةِ فاستيفاء الْفَرَائِض الْبَاطِنَة، والمحرمات الْبَاطِنَة الَّتِي تَركهَا من الْفَرَائِض يطول جدا، فلنقتصر على هَذَا الْمِقْدَار، وَبِه يتَبَيَّن أَن مَا ذكره الطوفي من اشْتِمَال خِصَال الْإِسْلَام على الْفَرَائِض الظَّاهِرَة، واشتمال خِصَال الْإِيمَان الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث على الْفَرَائِض الْبَاطِنَة غير صَحِيح.