وَقد تكون المكاشفة من رجل جعله الله سُبْحَانَهُ من الْمُحدثين حَسْبَمَا سبق تَحْقِيق ذَلِك وَهَذِه طَريقَة أثبتها الشَّرْع وَصَحَّ بهَا الدَّلِيل.
وَالْغَالِب أَن ذَلِك لَا يكون إِلَّا من خلص الْمُؤمنِينَ كَمَا سبق فِي حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن ".
وَهَذَا الحَدِيث هُوَ شَيْء يوقعه الله فِي روع من كتب لَهُ ذَلِك، فيلقيه إِلَى النَّاس فَيكون مطابقًا للْوَاقِع، وَلَيْسَ من الكهانة، وَلَا من بَاب النجامة والرمل وَلَا من بَاب تلقين الشَّيْطَان كَمَا كَانَ يَقع لعمر بن الْخطاب ﵁.
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه أَنه لَا يزَال العَبْد يتَقرَّب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بالنوافل حَتَّى يُحِبهُ، فَإِذا أحبه كَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا، وَرجله الَّتِي يمشي بهَا، وسنتكلم إِن شَاءَ الله على مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ النَّبَوِيَّة.
وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم من ذَلِك الْكثير الطّيب كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
[ ٢٣٩ ]
وللصحابة، ﵃، النَّصِيب الوافر من طَاعَة الله سُبْحَانَهُ وَمن التَّقَرُّب إِلَيْهِ بِمَا يُحِبهُ، وَلِهَذَا صَارُوا حير الْقُرُون كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المروية من وُجُوه كَثِيرَة، وَثَبت عَنهُ [ﷺ] فِي الصَّحِيح من طرق كَثِيرَة أَن النَّبِي [ﷺ]، قَالَ:
(لَا تسبوا أَصْحَابِي فَوَالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أُحد ذَهَبا مَا بلغ مُدَّ أحدهم، وَلَا نصيفه) . فَانْظُر إِلَى هَذِه المزية الْعَظِيمَة، والخصيصة الْكَبِيرَة الَّتِي لم تبلغ من غَيرهم إِنْفَاق مثل الْجَبَل الْكَبِير من الذَّهَب نصف المُدَّ الَّذِي يُنْفِقهُ الْوَاحِد مِنْهُم، فَرضِي الله عَنْهُم وأرضاهم.
فهم أفضل أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَاهُمْ منزلَة عِنْده، وهم الَّذين عمِلُوا بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله [ﷺ] .
فَمن جَاءَ بعدهمْ مِمَّن يُقَال لَهُ إِنَّه من الْأَوْلِيَاء، لَا يكون وليا لله إِلَّا إِذا اتبع رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم واهتدى بهديه واقتدى بِهِ فِي أَقْوَاله وأفعاله.