وَأما قَوْله: " وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إِلَّا ببعده من الْخلق " فَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَن لَا نفع فِيهِ للعباد.
أما من كَانَ يَنْفَعهُمْ بِعِلْمِهِ، أَو بموعظته أَو بجهاده، أَو بإنكار الْمُنْكَرَات أَو بِالْقيامِ فيهم بِمَا أوجب الله على مثله الْقيام بِهِ، فَهَذَا يكون قربه من الْخلق أقرب إِلَى الْحق. وَهُوَ مقَام الْأَنْبِيَاء، ومقام الْعلمَاء الَّذين أَخذ الله عَلَيْهِم الْبَيَان للنَّاس.
[ ٣٩٩ ]
فَلَيْسَتْ هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي ذكرهَا أَبُو الْقَاسِم كُلية كَمَا لَا يخفى على من يعرف شرائع الله سُبْحَانَهُ، وَمَا ندب عباده إِلَيْهِ فِي كتبه الْمنزلَة، وعَلى ألسن رسله الْمُرْسلَة. وَقد جَاءَ فِي السّنة أَن الْمُؤمن الَّذِي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أحب إِلَى الله من الْمُؤمن الَّذِي لَا يخالطهم.
وَيُمكن حمل كَلَامه على الْبعد عَن الْخلق بإقبال قلبه على الله سُبْحَانَهُ، وَعدم الِاعْتِدَاد بِمَا سواهُ، وَأَنه وَإِن خالطهم بمظاهره فَهُوَ مَعَ الله بباطنه. وَهَذَا معنى حسن ورتبة علية.