وَالْحَاصِل أَن جَمِيع التَّقَرُّب إِلَى الرب ﷿ بنوافل الصَّلَاة فِي جَمِيع الْأَوْقَات من أحسن الْعِبَادَات إِلَّا فِي الْأَوْقَات المكروهات، فَمن استكثر مِنْهَا قرب إِلَى الله بِقدر مَا فعل مِنْهَا فَأَحبهُ وَلَيْسَ بعد الظفر بمحبة الله سُبْحَانَهُ لعَبْدِهِ شَيْء.
٢ - من نوافل الصّيام:
وَأما نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة فَهِيَ كَثِيرَة، وَمِنْهَا صَوْم شهر الله الْمحرم فَإِنَّهُ [ﷺ] سُئِلَ أَي الصّيام بعد رَمَضَان أفضل؟ فَقَالَ: " شهر الله الْمحرم " كَمَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَأحمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
[ ٣٧١ ]
وَلَا يُعَارض هَذَا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: " سُئِلَ رَسُول الله [ﷺ] أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ شعْبَان ". لِأَن فِي إِسْنَاده صَدَقَة بن مُوسَى وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَيُؤَيّد أَفضَلِيَّة صَوْم الْمحرم مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث عَليّ أَنه سمع رجلا يسْأَل رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم وَهُوَ قَاعد فَقَالَ. يَا رَسُول الله: أَي شهر تَأْمُرنِي أَن أَصوم بعد شهر رَمَضَان فَقَالَ " إِن كنت صَائِما بعد شهر رَمَضَان فَصم الْمحرم فَإِنَّهُ شهر الله فِيهِ يَوْم تَابَ فِيهِ على قوم وَيَتُوب فِيهِ على قوم يَعْنِي يَوْم عَاشُورَاء ".
وَقد ثَبت من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَابْن مَسْعُود فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا " أَنه كَانَ [ﷺ] وَآله وَسلم يَصُوم يَوْم عَاشُورَاء قبل أَن يفْرض رَمَضَان، فَلَمَّا فرض رَمَضَان قَالَ: من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ ترك ".
وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره أَن النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَئِن بقيت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع " وَفِي لفظ لِأَحْمَد: " صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء، وخالفوا الْيَهُود صُومُوا قبله يَوْمًا وَبعده يَوْمًا ".
وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة: صِيَام سِتّ من شَوَّال كَمَا فِي حَدِيث
[ ٣٧٢ ]
أبي أَيُّوب عِنْد أَحْمد وَمُسلم وَأهل السّنَن عَن رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال فَذَلِك صِيَام الدَّهْر ". وَأخرج أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ والدارمي وَالْبَزَّار من حَدِيث ثَوْبَان عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من صَامَ رَمَضَان وَسِتَّة أَيَّام بعد الْفطر كَانَ تَمام السّنة من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا ".
وَفِي الْبَاب أَحَادِيث:
وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة: صَوْم عشر ذِي الْحجَّة فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ [ﷺ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " مَا من أَيَّام الْعَمَل الصَّالح فِيهَا أحب إِلَى الله ﷿ من هَذِه الْأَيَّام - يَعْنِي أَيَّام الْعشْر، قَالُوا يَا رَسُول الله وَلَا الْجِهَاد فِي
[ ٣٧٣ ]
سَبِيل الله؟ قَالَ وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله ثمَّ لم يرجع من ذَلِك شَيْء ".
وَمن الْعشْر يَوْم عَرَفَة وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي قَتَادَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَآله وَسلم:
" صَوْم يَوْم عَرَفَة يكفِّر سنتَيْن مَاضِيَة ومستقبلة، وَصَوْم يَوْم عَاشُورَاء يكفر سنة مَاضِيَة ".
وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة صَوْم شعْبَان كَمَا أخرج أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أم سَلمَة " أَن النَّبِي [ﷺ] وَآله وَسلم لم يكن يَصُوم من السّنة شهرا تَاما إِلَّا شعْبَان يصل بِهِ رَمَضَان " وَحسنه التِّرْمِذِيّ.
وَيَكْفِي فِي مَشْرُوعِيَّة: مُطلق التَّنَفُّل بالصيام، حَدِيث: " الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ ". وَهُوَ حَدِيث صَحِيح.