وَقد عرفناك أَن هَؤُلَاءِ المقلدة ذموا مَا لم يعرفوه، وعابوا مَا لم يدروا بِهِ، وَهَذَا أَمر يستقبحه كل عَاقل، ويزري بِصَاحِبِهِ كل فاهم، فَإِن من تعرض للْكَلَام فِيمَا لَا يعرفهُ فَهُوَ جَاهِل من جِهَتَيْنِ:
الْجِهَة الأولى: كَونه لَا يعرف ذَلِك الشَّيْء.
[ ٣٣٩ ]
الْجِهَة الثَّانِيَة: كَونه تكلم فِيمَا لَا يعرفهُ كَمَا يَفْعَله أهل الْجَهْل الْمركب.
هَذَا على فرض أَنه لم يتَعَرَّض للقدح فِيهِ، وَلَا أوقعته نَفسه الأمارة فِي الطعْن على المتمسكين بِهِ، فَإِن فعل ذَلِك أَخطَأ من ثَلَاث جِهَات هَذِه الثَّالِثَة.
وَمَا أحسن مَا قَالَه الشَّاعِر:
(أَتَانَا أَن سهلا ذمّ جهلا علوما لَيْسَ يعرفهن سهل)
(علوما لَو دراها مَا قَلاَهَا وَلَكِن الرضى بِالْجَهْلِ سهل)
وَلَقَد صدق هَذَا الشَّاعِر فَإِن الْعلَّة الباعثة للجاهل على هَذَا الفضول هِيَ الرضى بِالْجَهْلِ، ويكفيه مَا رَضِي بِهِ لنَفسِهِ نقصا وعيبًا وغباوة ومهانة.