:
وَاعْلَم أَن من أعظم مَا يتَبَيَّن بِهِ من هُوَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ أَن يكون مجاب الدعْوَة، رَاضِيا عَن الله ﷿ فِي كل حَال، قَائِما بفرائض الله سُبْحَانَهُ، تَارِكًا لمناهيه، زاهدًا فِيمَا يتكالب [عَلَيْهِ] النَّاس من طلب
[ ٢٤٠ ]
الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، والحرص على رياستها، لَا يكون لنَفسِهِ شغل بملاذ الدُّنْيَا وَلَا بالتكاثر مِنْهَا، وَلَا بتحصيل أَسبَاب الْغنى، وَكَثْرَة اكْتِسَاب الْأَمْوَال وَالْعرُوض إِذا وصل إِلَيْهِ الْقَلِيل صَبر، وَإِن وصل إِلَيْهِ الْكثير شكر، يَسْتَوِي عِنْده الْمَدْح، والذم والفقر والغناء، والظهور والخمول، غير معجب بِمَا من الله بِهِ عَلَيْهِ من خِصَال الْولَايَة إِذا زَاده الله رفْعَة، زَاد فِي نَفسه تواضعًا وخضوعا. حسن الْأَخْلَاق كريم الصُّحْبَة عَظِيم الْحلم كثير الِاحْتِمَال.
وَبِالْجُمْلَةِ فمعظم اشْتِغَاله بِمَا رغب الله فِيهِ، وَندب عباده إِلَيْهِ فَمن كملت لَهُ هَذِه الْخِصَال، واتصف بِهَذِهِ الصِّفَات، واتسم بِهَذِهِ السمات، فَهُوَ ولي الله الْأَكْبَر الَّذِي يَنْبَغِي لكل مُؤمن أَن يقر لَهُ بذلك، ويتبرك بِالنّظرِ إِلَيْهِ، والقرب مِنْهُ.
وَمن كَانَ فِيهِ بعض هَذِه الْخِصَال، واشتمل على شطر من هَذِه الصِّفَات فَلهُ من الْولَايَة بِقدر مَا رزقه الله سُبْحَانَهُ مِنْهَا، ووهب لَهُ من محاسنها.
وَالْبَاب الْأَعْظَم للدخول إِلَى سُوح الْولَايَة هُوَ الْإِيمَان بِاللَّه كَمَا ندب إِلَيْهِ رَسُول الله [ﷺ] حَيْثُ قَالَ لما سُئِلَ عَن الْإِيمَان:
(أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَالْقدر خَيره وشره) .
وأصعب هَذِه الْخِصَال الْإِيمَان بِالْقدرِ فَإِنَّهُ إِذا حصل لَهُ ذَلِك على الْوَجْه
[ ٢٤١ ]
الْمُعْتَبر هَانَتْ عَلَيْهِ جَمِيع الْأُمُور، وَفرغ من شغل قلبه بِمَا نزل عَلَيْهِ من الْمَقَادِير خَيرهَا وشرها.
وَلَا يُنَافِي ذَلِك تعوذه ([ﷺ]) من سوء الْقَضَاء. فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن من الدَّعْوَات النَّبَوِيَّة قَوْله [ﷺ]:
(اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من سوء الْقَضَاء، ودرك الشَّقَاء، وَجهد الْبلَاء، وشماتة الْأَعْدَاء) وَثَبت عَنهُ [ﷺ] أَنه كَانَ يَقُول فِي قنوت الْوتر:
(وَقِنِي شَرَّ مَا قضيت) .
وأولياء الله سُبْحَانَهُ يتفاوتون فِي الْولَايَة بِقُوَّة مَا رزقهم الله سُبْحَانَهُ من الْإِيمَان، فَمن كَانَ أقوى إِيمَانًا كَانَ فِي بَاب الْولَايَة أعظم شَأْنًا، وأكبر قدرا وَأعظم قربًا إِلَى الله، وكرامة لَدَيْهِ.
وَمن لَازم الإيمانِ الْقوي العملُ السوي، والتحبُّبُ إِلَى الله بمحبته ﷿ ومحبة رَسُوله [ﷺ] ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ . وَكلما، ازْدَادَ بَعْدَ التَّقَرُّب إِلَى الله بِفَرَائِضِهِ، وَاجْتنَاب مناهيه، بِفعل النَّوَافِل، والاستكثار من ذكره ﷿، زَاده الله محبَّة وَفتح لَهُ أَبْوَاب الْخَيْر كُله دِقِّهِ وَجِله كَمَا سَيَأْتِي من الْكَلَام على شرح هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه وَبَيَان مَعَانِيه الشَّرِيفَة ونكاته اللطيفة.
[ ٢٤٢ ]