وَاعْلَم أَنه لم يكن لدي عِنْد تأليف هَذَا الشَّرْح شَيْء من الشُّرُوح إِلَّا شرح الْفَتْح لِابْنِ حجر ﵀، وَلم يذكر فِيهِ وَجه تَقْدِيم قَوْله: " كنت سَمعه على مَا بعده " مَعَ أَن الْآيَات الكونية والعبر الخلقية تتَعَلَّق بحاسة الْبَصَر أَكثر من تعلقهَا بحاسة السّمع.
وَلَعَلَّ وَجه ذَلِك وَالله أعلم أَن الْآيَات التنزيلية والعبر القولية إِنَّمَا تدْرك ابْتِدَاء بِالسَّمْعِ ولاحظ لِلْبَصَرِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ سَائِر مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ لِأَنَّهَا إِمَّا أَفعَال أَو حِكَايَة أَفعَال وَهِي لَا تدْرك ابْتِدَاء إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَكَأَن السّمع مُخْتَصًّا بِالْآيَاتِ التنزيلية والعبر القولية وَجَمِيع مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة.
[ ٤٢١ ]
وَلَا شكّ أَن مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمنزلَة وعَلى هَذِه الصّفة من مشاعر الْإِدْرَاك أولى من غَيره مِنْهَا وأحق بالتقديم، مَعَ أَنه مشارك لِلْبَصَرِ فِي الْآيَات الكونية والعبر الخارجية بِوَجْه من الْوُجُوه. لِأَنَّهُ يصف الواصف لمن يسمع وَلَا يبصر مَا يُشَاهِدهُ فِي الْخَارِج فَيحصل لَهُ من الِاعْتِبَار والتفكر نصيب من ذَلِك. بِخِلَاف المبصر الَّذِي لَا يسمع فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ إِدْرَاك شَيْء من الْآيَات التنزيلية وَلَا من العبر القولية، وَلَا من الشَّرِيعَة الْمَشْرُوعَة للعباد من الرب سُبْحَانَهُ، وَمن نبيه [ﷺ] وَآله وَسلم، وَالله أعلم.